سد فجوة المهارات ليس مسؤولية الحكومات وحدها

تتعدد التفسيرات لتنامي تفاوت الدخول، ومنها التباين الكبير في المهارات؛ فيحصل الموظفون الأكثر مهارة على أجور تفوق غيرهم، وتلعب تطورات التكنولوجيا دورًا في ذلك، وسيصير هذا التفاوت أكثر عمقًا ووضوحًا مع توسع تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الوظائف الإدارية والمكتبية بالطريقة نفسها التي أثرت الآلات والروبوتات على عمال المصانع.

ويُتوقع أن تستخدم شركات الخدمات المهنية مثل المحاسبة والمحاماة أدوات الذكاء الاصطناعي والبيانات لإجراء المراجعات والتحليل القانوني وتقديم الاستشارات الإدارية. وسيُؤدي ذلك إلى ارتفاع كبير في أعداد العاملين في الوظائف العليا وتراجع في الوظائف المساندة.

وينال دور الحكومة في توفير الموارد التعليمية وإعداد الموظفين بالمهارات اللازمة الكثير من الاهتمام، لكن في الواقع يصعب إيقاف المستويات المتنامية من انعدام المساواة والقلق الاقتصادي دون أن تلعب الشركات دورًا أكثر فعالية وتتحمل مسؤولية أكبر في التدريب وصقل مهارات موظفيها، وسيعود الاهتمام برفاهية الموظفين بالفائدة على الإنتاجية والنتائج المالية للشركات.

ويتمتع القطاع الخاص بالموارد البشرية ورأس المال اللازمين أكثر من الحكومة. وتدفع أكبر 500 شركة في العالم 700 مليار دولار كضرائب سنوية، وتبيع منتجات وخدمات بقيمة تتجاوز 22 تريليون دولار، وتدير أصولًا بقيمة تزيد عن 100 تريليون دولار، كما تُخصص سنويًا أكثر من 1.6 تريليون و400 مليار دولار للنفقات الرأسمالية والأبحاث والتطوير على الترتيب.

وبمقدور مسؤولي الحكومة، ويتعين عليهم، بذل المزيد من الجهد للمواءمة بين حوافز الشركات وأوضاع الموظفين عبر طرق منها: تقديم حوافز ضريبية لخطط تقاسم الأرباح، وتقديم خدمات صحية، وربط الممارسات في أماكن العمل بالمشتريات الحكومية وبرامج التمويل.

وفي الوقت نفسه تحتاج الشركات إلى إدراك الفوائد الهائلة التي ستجنيها من تحسين رفاهية موظفيها وتطوير مهاراتهم، ومنها نيلها ميزات تنافسية في ظل وسط سياسي كالذي تشهده الولايات المتحدة بعد تولي دونالد ترامب منصب الرئاسة وحديثه عن التصنيع والتوظيف المحلي، وكذلك اكتشافها فرص لتحسين منتجاتها وخدماتها وتعزيز إنتاجية الموظفين.

وتُقبل الشركات بالفعل على تطوير مهارات موظفيها مثل إعلان “فولكس فاجن” عن إعادة تدريب سبعة آلاف مهندس على التكنولوجيا الكهربائية بالتزامن مع الاتجاه إلى تخفيض الانبعاثات للتوافق مع متطلبات الدول والاتحاد الأوروبي واعتماد السيارات الكهربائية.

وكذلك تُوفر شركة “كيه بي إم جي” للمحاسبة برامج تدريبية للمحاسبين القانونيين تُساعدهم في فهم أساليب البيانات الضخمة واستخدامها في التوصل إلى مراجعات أكثر دقة للشركة وعملائها. وتُدرب شركات تكنولوجيا المعلومات مثل “تاتا كونسلتينج” و”إنفوسيس” مئات الآلاف من الأشخاص على الخدمات الرقمية والتفكير التصميمي لتلبية الاحتياجات الجديدة للعملاء، وبالمثل تُعِد “آي بي إم” مستشاريها بمهارات جديدة في الحوسبة السحابية والمحمول والإعلام الاجتماعي، وكذبك تفعل شركات الاتصالات وغيرها من التخصصات.

وتنبع جميع هذه المبادرات من إدراك الشركات أهمية التنسيق بين مصالحها ومصالح موظفيها؛ فتحتاج إلى قوى عاملة مدربة في ظل نقص بعض المهارات الرقمية وعجزها عن الاستعانة بموظفين جدد لتلبية جميع احتياجاتها. وسيستفيد الموظفون اكتساب مهارات جديدة والحصول على رواتب أفضل وفرص توظيف أكثر تنوعًا على المدى الطويل.

ومع ذلك، تحتاج الشركات إلى الحرص في تزويد موظفيها بمهارات جديدة من خلال التواصل الواضح معهم حول أهدافها وتوقعاتها وأهميتهم للعمل. ومع الدور المحوري للحكومات في تطوير أنظمة التعليم من أجل التكيف مع التغيرات الجديدة، يتعين على القطاع الخاص المشاركة حتى وفق حسابات الأرباح والخسائر.

المصدر

الصورة