تقرير: صناعة السيارات على أعتاب تغيير هائل: لمن الغلبة، شركات السيارات أم التكنولوجيا؟

يبدأ “معرض ديترويت للسيارات”، الأكبر في الولايات المتحدة الأمريكية، في الحادي عشر من يناير/كانون الثاني الجاري. لكن خلال السنوات الأخيرة ينظر كثيرون في صناعة السيارات إلى “معرض الإلكترونيات الاستهلاكية” في لاس فيجاس باعتباره أكثر أهمية، بعدما ظل الحدث لسنوات حكرًا على الأجهزة المنزلية والحواسيب والهواتف.

ويُشير إقبال أهم شركات السيارات على المُشاركة في المعرض وإلقاء بعض من مسؤوليها لكلمات رئيسية إلى التغيير الهائل الذي ينتظر صناعة السيارات، والدور الكبير الذي تضطلع به البرمجيات وأنظمة التكنولوجيا في سيارات اليوم والغد سواءً فيما يخص السيارات ذاتية القيادة أم تطبيقات مشاركة السيارات.

وخلال الدورة الأخيرة من “معرض الإلكترونيات الاستهلاكية”، الذي عُقد بين السادس والتاسع من الشهر الجاري، كشفت الرئيسة التنفيذية لشركة “جنرال موتورز”، ماري بارا، عن طراز جديد من سيارة “بولت” Bolt الكهربائية.

وتُدرك شركات السيارات التهديد المزدوج الذي تُمثله التكنولوجيا في ظل تطور السيارات ذاتية القيادة واقتراب طرحها تجاريًا، والشعبية المتزايدة لتطبيقات تقاسم ركوب السيارات؛ فمن ناحية ربما تتراجع رغبة البعض في اقتناء سيارات خاصة، ما يقوض معدلات النمو التي توقعتها شركات السيارات نتيجة لتنامي الطبقات الوسطى في الاقتصادات النامية.

ومن ناحية أخرى ربما تكون شركات التكنولوجيا في وضعٍ أفضل من شركات السيارات يُؤهلها لجني أرباح التطورات الحاصلة؛ بفضل تقديمها للبرمجيات التي تعتمد عليها السيارات ذاتية القيادة وتطبيقات مشاركة السيارات. كما أن بعض شركات التكنولوجيا قد تُقدِم على صناعة السيارات لصالحها.

ووصف تقرير حديث صدر عن مصرف “مورجان ستانلي” الاستثماري التغيير الجذري الذي تشهده صناعة السيارات بأنه أقرب كثيرًا وأسرع وأكثر قوة من التوقعات السابقة. وقدر التقرير أن شركات السيارات ستتبارى فيما بينها خلال السنوات المُقبلة على تطوير أنشطتها وأفكارها.

وربما أثبت ذلك إعلان “جنرال نوتورز” قبل أيام من انطلاق “معرض الإلكترونيات الاستهلاكية” عن استثمارها خمسمائة مليون دولار في شركة “ليفت” Lyft صاحبة تطبيق طلب السيارات عبر الهواتف الذكية. كما ترددت شائعات حول تعاون بين “فورد” و”جوجل” لإنتاج سيارات ذاتية القيادة. وعلى الرغم من أن هذه الشائعات لم تثبت صحتها خلال المعرض، إلا أنها تُسلط الضوء على التغيير الذي أحدثته شركات التكنولوجيا في صناعة السيارات.

وشهد “معرض الإلكترونيات الاستهلاكية” الكشف عن شراكات أخرى مثل تعاون “فورد” مع “أمازون” لربط سياراتها بالمنازل الذكية المُجهزة بأدوات الاستشعار. كما أعلنت شركة “تويوتا” عن تبنيها تطبيق مفتوح المصدر تُطوره شركة “فورد” للسيارات ويُنافس نظام “كار بلاي” CarPlay من “آبل”، و”أندرويد أوتو” Android Auto من “جوجل”، ويُتيح الوصول لتطبيقات الهواتف الذكية وغيرها من الميزات.

ولا يُعد هذا المثال الوحيد على تكاتف الشركات المُنتجة للسيارات معًا لتجنب الاعتماد على شركات التكنولوجيا العملاقة؛ ففي شهر أغسطس/آب الماضي اشترت شركات “بي إم دبليو” و”دايملر” و”أودي” التابعة لشركة “فولكس واجن” خدمة خرائط “هير” Here من “نوكيا”؛ لضمان أن يكون لدى شركات السيارات خدمة مُستقلة للخرائط بدلًا من لجوئها الدائم إلى “خرائط جوجل”.

شركات التكنولوجيا والسيارات: تعاون ومنافسة

ومع ذلك، فلا يُمكن لشركات السيارات الاستغناء عن نعاونها مع شركات التكنولوجيا والعكس صحيح؛ فلدى كل طرف ما يحتاجه الطرف الآخر. ومن ناحية تُواجه شركات التكنولوجيا تحديًا في تصنيع السيارات وتسويقها والتعامل مع المؤسسات الرسمية بشأن المسائل المتعلقة بالسلامة والانبعاثات الغازية.

ويُمكن لشركات التكنولوجيا تقليد “تسلا” التي بدأت تطوير سياراتها الكهربائية قبل أكثر من عقد. وبالنسبة لشركة “آبل” التي تُخطط لطرح سيارة كهربائية، فربما تحاول تصنيعها بالأسلوب نفسه الذي تُنتج به هواتف “آيفون” أي من خلال التعهيد الخارجي والتعاقد مع مصنعين، أو قد تتبع نهجًا أكثر وضوحًا وتقليدية بالتحالف مع شركات معروفة لتصنيع السيارات.

ومن ناحية أخرى، يُمكن لشركات السيارات تعلم الكثير من شركات التكنولوجيا. وعلى الرغم من عمل أغلب منتجي السيارات على تطوير مركبات ذاتية القيادة كليًا أو جزئيًا، إلا أن شركة “جوجل” تظل القوة الأكبر في هذا المجال؛ بفضل إسهام أبحاثها المتنوعة في الروبوتات والطائرات من دون طيار ومحرك البحث على الإنترنت.

وتُساعد هذه الأبحاث جميعًا في إرشاد سياراتها ذاتية القيادة على الطرق لتجنب المشاة والعقبات والسيارات الأخرى. وتستخدم سياراتها إمكانات الحوسبة وبرمجيات مُتطورة لتُفسر قدرًا ضخمًا من البيانات تتلقاها من أجهزة الاستشعار المُثبتة فيها، وكذلك من مصادر أخرى عبر الاتصالات اللاسلكية.

وحتى في ضوء حاجة شركات التكنولوجيا لتعلم الكثير مع خوضها صناعة السيارات، تتخوف الأخيرة مما قد تُضطر لخسارته؛ فربما تتراجع أرباحها تدريجيًا وتتجه بعيدًا عن الشركات المُصنعة للعتاد والمكونات إلى الشركات المُنتجة للبرمجيات وأخرى تمتلك البيانات وتُديرها.

وحتى الآن غالبًا ما يختار المستهلكون تصميمات السيارات، وحتى الطرازات المتواضعة منها، كتعبير عن نمط شخصياتهم وتفضيلاتهم، لكن في حال تحول اهتمام المستهلكين إلى نظم التكنولوجيا والترفيه في السيارة وما يُمكنها تشغيله بدلًا من مظهرها، فقد يُسفر ذلك عن تفكيك النموذج الكلي لصناعة السيارات.

بدائل مختلفة لاقتناء السيارت الخاصة

وتُحقق نوادي السيارات وتطبيقات تقاسم السيارات وغيرها من بدائل اقتناء السيارات الشخصية نموًا سريعًا، ويبتعد الشباب من سكان المدن عن شراء سيارات مُكلفة تظل إلى حدٍ كبير دون استخدام، وتبدأ قيمتها في الانخفاض بالتزامن مع اللحظة الأولى لتشغيلها.

ومن جانبها، تصر شركات السيارات على أن مثل هذه الفئة من المستهلكين تُؤجل فقط قرارها باقتناء السيارات، وتقول أن الأشخاص حاليًا يُواصلون قيادة سياراتهم خلال المراحل العمرية المتقدمة أكثر مما سبق. لكن التصريحات الرسمية لكبار المسؤولين في شركات السيارات تشي بحقيقة مخازفهم. وخلال “معرض الإلكترونيات الاستهلاكية” قال الرئس التنفيذي لشركة “فورد”، ماك فيلدز، أن “فورد” في المستقبل ستكون شركة للمنتجات والتنقل.

ووفقًا لبيانات شركة “أليكس بارتنرز” Alix Partners للاستشارات، ترتفع عضوية نوادي السيارات بنسبة تفوق 30% سنويًا، وتتوقع وصولها إلى ستة وعشرين مليون عضو حول العالم بحلول عام 2020. وتُتيح نوادي السيارات للمشتركين استئجار السيارات لفترات قصيرة تصل إلى ساعة أو أقل من خلال تطبيقات للهواتف الذكية، ونظير دفع اشتراكات شهرية أو سنوية.

ويشهد هذا القطاع منافسةً كبيرة، ويزدهر مثلًا عمل خدمة “زيب كار” ZipCar التي تمتلكها شركة “أفيس بدجت” Avis Budget التقليدية لتأجير السيارات. كما تتجه عدد من شركات السيارات لمحاكاة تطبيق “كار 2 جو” Car2Go من “دايملر” و”درايف ناو” Drive Now من “بي إم دبليو”. ويُتيح كلا التطبيقين تأجير السيارات في عددٍ من المدن حول العالم.

وخلال العام الحالي أعلنت “فورد” عن اختبارها خدمة لمشاركة ركوب السيارات في الولايات المتحدة وناد للسيارات في المملكة المتحدة. وعلى الرغم من حديث “دايملر” عن تحقيقها أرباح من تطبيقها، إلا أنه من المستبعد أن تُكافيء عائدات مثل هذه الخدمات إيرادات بيع السيارات ولاسيما للشركات الكبيرة.

وفي الوقت نفسه تتنامى سريعًا شعبية تطبيقات طلب السيارات عبر الهواتف الذكية مثل “أوبر” Uber ومثيله في الصين “ديدي داشي” Didi Dache، وغالبًا ما تُمثل هذه الخدمات خيارًا أرخص تكلفة وأكثر كفاءة من السيارات التقليدية. وبمجرد أن تنجح في إغناء السائقين عن سياراتهم الخاصة فسيُشكل تأثير سيارات الأجرة ونوادي السيارات وشركات تقاسم السيارات معًا بديلًا واحدًا كبيرًا ومُريحًا وميسور التكلفة لفكرة اقتناء سيارة خاصة.

حضور وشيك للسيارات ذاتية القيادة

وفيما يخص وصول السيارات ذاتية القيادة فعليًا إلى طرقات المدن. فقد قطعت سيارات “جوجل” ذاتية القيادة 2.1 مليون كيلومتر على الطرق العامة، ووعدت الشركة سابقًا بطرحها للمستهلكين في عام 2018. ويُرجح مُعظم المحللين أن يكون العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين أكثر ملائمةً في ظل تقديم شركات السيارات ميزات القيادة الذاتية على نحوٍ تدريجي.

وفي الوقت الراهن يقول فيلدز من شركة “فورد” أن السيارات ذاتية القيادة ستكون على استعداد للانطلاق بحلول عام 2020، ويُضيف بعض مسؤولي شركات السيارات خمسة أعوام أخرى إلى ذلك التاريخ.

ويتوقع مصرف “باركليز” أن يؤدي توفير سيارات ذاتية القيادة بالكامل إلى انخفاض متوسط ملكية الأسرة الأمريكية من السيارات من 2.1 سيارة حاليًا إلى 1.2 سيارة بحلول عام 2040. وحينها يُمكن للسيارة ذاتية القيادة توصيل رب الأسرة إلى العمل، ومن ثم العودة مُجددًا إلى المنزل لاصطحاب الأطفال إلى مدارسهم.

ووفقًا لتقديرات “باركليز” ربما تُستبدل المبيعات السنوية الحالية للسيارات واسعة الانتشار البالغة 11 مليون سيارة تقريبًا بمبيعات من السيارات ذاتية القيادة تبلغ 3.8 مليون سيارة، وتتوزع بين السيارات الشخصية وأخرى تندرج ضمن أساطيل سيارات الأجرة.

لكن ذلك لا يعني حل جميع المشكلات المرتبطة بالسيارات ذاتية القيادة؛ فحتى الآن تُواجه صعوبات خلال الأحوال الجوية السيئة، كما قد يصعب عليها تحديد الضوء المنعكس من برك المياه كأمرٍ لا ضرر منه، وهو ما ينطبق على تخمينها عبور أحد المشاة للطريق دون النظر إلى حركة السيارات.

وحاليًا تتوافر الكثير من طرازات السيارات بالفعل على أنظمة متطورة للقيادة دون استخدام اليدين في الطرق السريعة وأيضًا لإيقاف السيارة آليًا في أماكن الانتظار. كما ستتولى السيارات ذاتية القيادة نقل العاملين في المركز التقني لشركة “جنرال موتورز” في مدينة ديترويت ابتداءً من نهاية العام الجاري.

ويُمثل إقناع المؤسسات الحكومية المسؤولة عن قطاع النقل بالسيارات ذاتية القيادة عقبةً إضافية أمام شركات السيارات، بالإضافة إلى حاجتها لإقناع المستهلكين أنفسهم وشركات التأمين بالإقبال على السيارات ذاتية القيادة. وربما تسهل مهمتها إذا ما جرى إطلاق السيارات ذاتية القيادة أولًا في طرق خاصة ومناطق مخصصة داخل المدن، وإثبات دورها في تجنب الحوادث والحد من ازدحام المرور.

وتبقى الأسئلة المهمة أمام صناعة السيارات ليس ما إذا كانت خدمات تقاسم السيارات والسيارات ذاتية القيادة ستتفوق مستقبلًا، بل تتعلق أساسًا بأي الشركات ستجني الأرباح، وهل ستكون شركات السيارات أم التكنولوجيا؟ وهل ستحمل لوحة عدادات سيارات المستقبل علامة (“فورد” بالتعاون مع “جوجل”)، أم ستحمل شعار (“جوجل” بالتعاون مع “فورد”)؟

المصدر

مصدر الصورة