ضرورة التحكم البشري أحد القيود التي تُواجه السيارات ذاتية القيادة

في ظل تواصل حديث مسؤولين في الحكومات وآخرين في شركات السيارات حول إضافة ميزات القيادة ذاتية التحكم في سياراتهم وكيفية تنظيم السيارات ذاتية القيادة، يعتقد كثير من المهتمين والمتحمسين أن السيارات ذاتية القيادة يُمكنها قريبًا التحرك على الطرقات ونقل الركاب.

لكن في واقع الأمر يتوجب الانتظار سنوات قبل تحقق ذلك، وسيكون على البشر خلال السنوات المُقبلة المشاركة في قيادة سياراتهم وتولي القيادة في حالات الطوارئ والظروف المعقدة، وهو أمر تعترف به شركات السيارات، وتُواجه تحديًا في إيجاد سبيل لتنبيه السائقين سريعًا لاستعادة السيطرة على السيارة، بحسب ما تناول تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.

وتتكرر وعود مسؤولي شركات السيارات، ومثلًا أعلن كاروس غصن، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة “تحالف رينو نيسان” في السابع من شهر يناير/كانون الثاني الجاري عن استعداد “نيسان” لتقديم عشر سيارات ذاتية القيادة خلال الأعوام الأربعة المُقبلة، وجاء ذلك خلال زيارته لمختبر أبحاث الشركة في وادي السيليكون في ولاية كاليفورنيا الأمريكية.

أما الرئيس التنفيذي لشركة “تسلا” للسيارات الكهربائية، إيلون مَسك، فوصف ميزة القيادة الآلية أو “أوتو بايلوت” Autopilot في سيارات “تسلا” بأنها “من المحتمل أن تكون أفضل من البشر في الوقت الحاضر”. وقال مَسك أنه خلال عام أو عامين سيُتاح من الناحية التقنية استدعاء سارة “تسلا” من جانب إلى آخر في الولايات المتحدة.

لكن الواقع يُظهِر فجوة مُتنامية الاتساع بين ما يقوله هؤلاء المسؤلين، وما يفهمه أغلب الأشخاص عند الاستماع إلى وصف مديري شركات السيارات والعلماء للسيارات ذاتية التحكم أو السيارات التي لا تحتاج إلى سائق. فيتحدث غصن ومَسك وأمثالهما عن سيارات مُزودة بميزات مُتقدمة تُساعد السائق أو تتولى إنجاز مهام صعبة مثل صف السيارة في أماكن الانتظار وسط شارع مزدحم بشكل متواز.

ولا يزال أمام السيارات ذاتية القيادة بالكامل، كالتي تُشبه الفقاعة وتختبرها “جوجل” قريبًا من مقرها في وادي السيليكون، عشرة أعوام على الأقل قبل أن تبدأ في نقل الركاب في المدن، بحسب ما قال زافير موسكوت، الشريك البارز في “مجموعة بوسطن للاستشارات” ومدير مكتب المجموعة في مدينة ديترويت الأمريكية. وقال موسكوت: “ستكون رحلة، ورحلة طويلة إلى حدٍ كبير”.

وبطبيعة الحال سيكون لهذه لرحلة تأثيراتها المالية. وفي العام الماضي أعلنت شركة “أوبر” عن خطط لافتتاح مركز أبحاث للسيارات ذاتية القيادة بالقرب من “جامعة كارنيجي ميلون” الأمريكية. وكشفت شركة “جنرال موتورز” مُؤخرًا عن عزمها استثمار 500 مليون دولار في شركة “ليفت” أبرز مُنافسي “أوبر”؛ بهدف توفير شبكة من السيارات ذاتية القيادة حسب الطلب. وتناولت شائعات تعاون بين “جوجل” و”فورد” لتطوير سيارات ذاتية القيادة.

ولا يقتصر المجال على الشركات، بل أعلنت الإدارة الأمريكية الأسبوع الماضي عن اقتراح لاستثمار نحو أربعة مليارات دولار على مدار عشرة أعوام في الأبحاث ذات الصلة بالسيارات ذاتية القيادة. وقال وزير النقل الأمريكي أنتوني فوكس أن الحكومة سترفع العقبات التي تعترض تطوير سيارات ذاتية القيادة، كما ستُصدر توجيهات إرشادية لعملها في غضون ستة أشهر.

وبالفعل تتولى السيارات مهمة القيادة في مواقف محددة حاليًا، وسيزيد دورها خلال السنوات المُقبلة؛ إذ ستمكن من تتبع الطرق الملتوية، وتغيير المسارات أو الحارات في الطريق، والتوقف والانطلاق. لكنها مع ذلك ستظل بحاجة إلى إشرافٍ بشري، وفي كثيرٍ من الحالات ستُنبه السيارات سائقيها لضرورة توليهم القيادة حين تُواجه ظروف معقدة أو حالات طارئة.

وتُدرك الشركات المُنتجة للسيارات مشكلة تسليم مهمة القيادة إلى سائقين ليسوا منتبهين للطريق، ويعترف مهندسو السيارات أنه ما من حلٍ يسير لها. ولم يتوصل المصممون حتى الآن إلى طريقة تُنبه سائق مُشتت الانتباه ومشغول بكتابة رسائل نصية أو قراءة البريد الإلكتروني أو مشاهدة فيديو، وتدفعه لاستعادة سيطرته على السيارة خلال جزء من الثانية، وهي مدة قد تُحدث فارقًا كبيرًا في حالات الطوارئ.

ويكمن الخطر في تشجيع السيارات المُزودة بإمكانات القيادة الذاتية السائقين على منح القليل من الانتباه إلى القيادة، وبالتالي ربما تُنشئ تكنولوجيا السلامة مخاطر جديدة بدلًا من تعزيزها مستوى الأمان.

وقال أستاذ الهندسة الميكانيكية في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا”، جون ليونارد: “تكشف المسألة كلها المتعلقة بتفاعل الناس داخل السيارة وخارجها قضايا حقيقية في الذكاء الاصطناعي”، وقال أن إمكانية معرفة ما إذا كان السائق مستعدًا وما إذا كان قد حصل على مهلة كافية سؤال مُحير جدًا.

وتقول “تسلا” أن بمقدور نظام “أوتو بايلوت” توجيه السيارة على طول الطريق السريع، وتغيير المسارات أو الحارات، وضبط سرعة السيارة تبعًا لحركة المرور. وتتضح حدود إمكانات النظام في حديث سيباستيان ثرون، عالم الروبوتات وخبير الذكاء الاصطناعي الذي قاد فريق “جامعة ستانفورد” الأمريكية الذي فاز بمسابقة “جراند تشالنج” Grand Challenge للسيارات ذاتية التحكم التي نظمتها “وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة” التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية والمعروفة باسم “داربا” في عام 2005.

وأسس ثرون قسم السيارات ذاتية القيادة في “جوجل”، وعلى الرغم من مغادرته “جوجل” قبل سنوات، إلا أنه لا يزال منخرطًا في مجال الذكاء الصناعي. ويصف ثرون نفسه كأحد المستخدمين المتحمسين لسيارات “تسلا”. وأجرى ثرون مؤخرًا تجربة لقيادة سيارة “تسلا”، وأدرج عددًا من قيود نظام “أوتو بايلوت” وأخطاؤه، ووصف بعضها بالتدخلات الحاسمة حين تطلب السيارة من السائق التحكم في القيادة.

ويسمح النظام للسائقين بإبعاد أيديهم عن عجلة القيادة، لكن يحثهم بعد فترة وجيزة على استعادة التحكم في السيارة، ويُحذر السائقين في مواقف معينة لتولي القيادة.

ويعمل “أوتو بايلوت” جيدًا عند القيادة في الطرق السريعة، وأصلحت “تسلا” مُؤخرًا خللًا تسبب في انحراف السيارة بعيدًا عن مخارج الطرق السريعة على نحوٍ غير متوقع. وفي المُقابل يُمكن وصف الأداء عند القيادة في شوارع المدن والطرق الريفية بأنه مُخيف وحماسي. وتبين أن النظام، الذي يستخدم كاميرا للتعرف على العلامات الفاصلة بين الحارات، لا يسير في الانحناءات بسلاسة، كما لا يُخفض السرعة عند اقتراب المنعطفات.

وخلال قيادة ثرون لسيارة “تسلا” لمسافة 220 ميل أي ما يُعادل 354 كيلومتر بين بحيرة تاهو ومدينة بالو ألتو في ولاية كاليفورنيا اضطر إلى التدخل أكثر من اثنتي عشرة مرة. وأعلنت “تسلا” في التاسع من الشهر الحالي تقديمها نسخة جديدة من “أوتو بايلوت” تُتيح قيود وتحسينات في التعامل مع السيارة.

وعلى غرار “تسلا”، تتطلب السيارات ذاتية التحكم من “نيسان” الإشراف البشري، كما لا تُوفر خيار القيادة الآلية في مختلف الظروف. وأقر مهندسو “نيسان” أنه حتى أكثر الطرازات تقدمًا لن تكون ذاتية التحكم في جميع الظروف ومنها تساقط الثلوج والأمطار الغزيرة وبعض أنواع القيادة الليلية.

وقال نائب الرئيس التنفيذي لتطوير التكنولوجيا في “تحالف رينو نيسان”، تسويوشي ياماجوتشي: “هناك بعض القيود اعتمادًا على ظروف الطقس. على سبيل المثال تستحيل القيادة ذاتية التحكم إذا ما كانت السيارة وسط ثلوج أو مطر غزير”. وأضاف: “يتوجب علينا التأكد من إدراك السيارة لذلك، وتحذيرها للسائق”.

وتتسبب القوانين واللوائح المُنظمة في زيادة تعقيد الأمور؛ نظرًا لاشتراطها قيادة البشر للسيارات. وفي أوروبا تنص “اتفاقية فيينا” على أنه “يتوجب أن يكون لكل مركبة متحركة أو مجموعة من المركبات سائق”، وكذلك “يتوجب على السائق في جيمع الأحوال أن يكون باستطاعته السيطرة على سيارته”. وعلى الرغم من تقديم اقتراح لتعديل النصوص، إلا أنه لم يصدر تشريع جديد لغاية الآن.

وفي الولايات المتحدة أطلقت شركة “جوجل” حملة مُكثفة لتغيير القوانين داخل الولايات في عام 2011، لكنها أقرت العام الماضي بأن اللوائح التي أصدرتها “إدارة كاليفورنيا للمركبات الآلية” كانت نكسة، واشترطت اللوائح وجود سائق بشري يُمكنه التحكم في السيارة داخلها. لكن ذلك كله لم يُثن بعض المتحمسين للسيارات الذين يصفون تجربة ميزات القيادة الذاتية المتوافرة حاليًا بالمخيفة والممتعة في آن واحد.