ضغوط العصر الرقمي تدفع الحكومات إلى الابتكار

تحتاج الحكومات إلى استعادة دورها السابق كفاعل أساسي في الابتكار. وفي كثيرٍ من الأحيان تُوصم الحكومات بالعجز عن الابتكار بسبب تطلع المسؤولين إلى منافع مباشرة وعدم وضوح حوافز الابتكار في بعض الأحيان.

لكن تاريخ الحكومة الرقمية يُخالف هذا التصور؛ إذ قادت الحكومات في الستينيات تطوير تكنولوجيا الحوسبة والتحول الرقمي وتأسيس أنظمة معلومات ضخمة. وبدأ تراجعها خلال الثمانينيات وتأخرت عن القطاع الخاص فيما يخص الابتكار الرقمي. وتعتمد الكثير من الابتكارات الحالية مثل الإنترنت والنظام العالمي لتحديد المواقع وهواتف “آيفون” على إسهامات حكومية.

ويُلائم مجتمع المنصة وصف العصر الحالي في ضوء استحواذ المنصات الرقمية على نصيبٍ مُعتَبر من الحياة اليومية لملايين الأشخاص؛ ومنها أنظمة التشغيل كالتي تُقدمها “جوجل” و”آبل” و”مايكروسوفت”، ومواقع الإعلام الاجتماعي مثل “فيسبوك” و”تويتر” و”يوتيوب”، وخدمات التسوق عبر الإنترنت على غرار “أمازون” و”إي باي”، ومنصات الاقتصاد التشاركي مثل “أوبر” و”إير بي إن بي”.

وتعتمد جميعها على جذب المستخدمين لقضاء المزيد من الوقت وبالتالي جمع قدر أكبر من البيانات حول أنشطتهم، لتستفيد من البيانات في تطوير خدمات جديدة وجذب جمهور أكبر في حلقة مستمرة من الاستخدام وجمع البيانات والابتكار.

ويضع مجتمع المنصة ضغوطًا على الحكومات تدفعها نحو تقديم ابتكارات تعتمد على التكنولوجيا الرقمية والبيانات. ويرجع أصل هذه الضغوط إلى سنوات التقشف وتخفيضات الميزانية التي أعقبت الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وأجبرت الحكومات إلى محاولة الاستفادة من التكنولوجيا في زيادة الإنجاز وتقليل التكاليف في الوقت نفسه، وتقديم البدائل الرقمية كخيارات افتراضية بدلًا من برامج باهظة التكلفة متعددة القنوات.

كما يعود جانب من هذه الضغوط إلى القدر الكبير من بيانات التعاملات الناتجة عن أنشطة المنصات الجديدة والحكومة الرقمية، ويُمكن استثمارها في السياسات التنبؤية كما هو الحال في التعليم والشرطة وتطوير أنظمة النقل بواسطة بيانات بطاقات السفر.

ويعني صعود المجتمع الرقمي ضرورة اعتماد سياسات تنظيمية رقمية. وفي ضوء تنامي الإقبال على الخدمات الرقمية تتغير توقعات المواطنين من المؤسسات الحكومية وينتظرون وسائل حديثة للتفاعل معها. كما تحتاج الحكومات للابتكار لمواجهة التحديات الجديدة في مجالات كالأمن والصحة العامة. وفي الواقع تفرض الجرائم الإلكترونية والتطرف على الإنترنت على أجهزة الأمن والاستخبارات إعادة ابتكار أدوارها وأساليبها.

وربما يتطلب نجاح الحكومات في الابتكار تحولها إلى منصة بحد ذاتها، بحسب ما اقترح الكاتب الأمريكي تيم أوريلي في نموذج “الحكومة كمنصة” Government as a Platform -GaaP. ورأى أوريلي أن العلامات البارزة في تاريخ الحوسبة كانت الأطُر التي تسمح بنظامٍ كامل من المشاركة مثل الحواسيب الشخصية والإنترنت وهواتف “آيفون”.

ولذلك ينبغي على الحكومات التحول إلى منصات مفتوحة تسمح لآخرين داخلها وخارجها بتقديم ابتكاراتهم. وحدد أوريلي سبعة مبادئ لهذا النموذج تشمل: المعايير المفتوحة، والمحافظة على بساطة التصميم، والتصميم بغرض المشاركة، والتجريب، والتنقيب في البيانات، والتعلم من القراصنة، والقيادة من خلال تقديم نموذج عملي.

وسعت المملكة المتحدة لتنفيذ نموذج “الحكومة كمنصة”، وأورد وزير الخزانة في عام 2015 جورج أوزبورن المصطلح صراحةً في مراجعة الإنفاق، ووظفت الحكومة مسؤول عن نموذج “الحكومة كمنصة” في “خدمة الحكومة الرقمية”، وهي الوكالة المسؤولة عن المبادرات الرقمية للحكومة البريطانية.

وسعت إلى تأسيس منصات يُمكن دمجها في خدمات الوكالات الحكومية المختلفة، ومنها “فيرفاي” Verify للهوية الموحدة، و GOV.UK Pay للمدفوعات، وخدمة “نوتيفاي” Notify التي تسمح للمواطنين بمتابعة طلباتهم وقضاياهم.

لكن لا تزال البيانات الناتجة مختلفة كثيرًا عما تتعامل معه منصات مثل “أمازون” و”جوجل”، وتُواجه مشكلات منها قواعد بيانات قديمة تحتفظ بها كل إدارة ولا تتوافق مع سجلات المؤسسات الأخرى، الأمر الذي يتناقض مع مشاركة البيانات، ولاسيما في ظل غياب معرفات موحدة للمواطنين واعتمادهم آليات تعريف تختلف حسب المؤسسات الحكومية وأغراض الاستخدام. ولذلك يبدو العمل لإصلاح السجلات الحكومية وتكليف إدارة بعينها بالتعامل مع البيانات خطوة أولية واعدة.

وحتى الآن تحتاج تجربة المملكة المتحدة وغيرها من البلدان إلى الكثير قبل أن تشهد ابتكارات قائمة على البيانات. وربما تكون إستونيا، بتعداد يبلغ نحو 1.3 مليون نسمة، الأقرب إلى هذا النموذج.

وتعتمد الحكومة الرقمية في إستونيا على أساسين هما؛ نظام “إي آي دي” eID لتحديد هوية المواطنين عبر معرفات فريدة وشاملة، ونظام “إكس-روود” X-Road للتواصل الآمن بين السجلات الحكومية، كما يُتيح للمواطنين الإطلاع على بياناتهم التي تحتفظ بها الحكومة وأغراض جمعها والهيئات التي يُمكنها بالوصول إلى البيانات. ويسمح الأساسان بتطوير الإدارات الحكومية والشركات والمصارف وغيرها لأية ابتكارات ملائمة تتوافق معهما.

وفي حين لا تتبع إستونيا صراحةً نموذج “الحكومة كمنصة”، إلا أن نظامها للحكومة الرقمية يُوفر البنية اللازمة للابتكار كما قصدها أوريلي. وحتى الآن لا تزال بعيدة عن اتخاذ القرارات ووضع السياسات المدفوع بالبيانات، وإن كانت تتمتع بإمكانات واعدة، وتُطبق عددًا من مبادئه.

وتُحاول إستونيا تقديم مثال عملي من خلال إتاحة نظام “إكس-روود” مجانًا للدول الأخرى الراغبة في تطبيقه. وبالفعل طبقت فنلندا وعُمان وأذربيجان وفلسطين الفكرة، وأبدت كندا اهتمامها بالتجربة، وزارت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل معرض الحكومة الإلكترونية في إستونيا في صيف 2016.

وعلاوةً على ذلك، تعتمد إستونيا تصميمًا بسيطًا تُهيئ له فرص التطور، وهو ما يعتبره أوريلي أساسًا لازدهار الابتكار فدائمًا تكتسب الأنظمة البسيطة الناجحة تعقيدًا وتطورًا بمضب الوقت، في حين لا تنجح الأنظمة التي بدأت مسيرتها بتصميمات مُعقدة. وكي تستعيد الحكومات دورها في الابتكار تحتاج إلى التفكير في كيفية توسيع نموذج المنصات، مع الأخذ في الاعتبار البداية البسيطة والمحدودة لشركات التكنولوجيا العملاقة.

المصدر

الصورة