طرق مختلفة في التنظيم القانوني للسيارات ذاتية القيادة

في غضون سنوات قليلة تحول الحديث عن السيارات ذاتية القيادة من الخيال العلمي والتجريب الخالص إلى إنتاج نماذج أولية واختبارها وتحديد آجال قريب لطرحها في الأسواق، وتقديم بعض ميزات القيادة الآلية في الطرازات الجديدة كما في سيارة “تسلا”، واجتذاب السوق الجديد لشركات التكنولوجيا ومشاركة السيارات فضلًا عن المصنعين التقليديين.

وحين بدأت “جوجل” في عام 2009 تطوير النموذج الأولي من مركباتها ذاتية القيادة في ولاية كاليفورنيا الأمريكية لم يكن لدى المشرعين مصطلحًا مُلائمًا للتعبير عن التطور الحاصل، فضلًا عن تصور لكيفية تعديل قواعد المرور ومسؤولية الحوادث أو مدى الحاجة إلى لوائح جديدة.

وبالإضافة إلى قواعد استخدام الطرق، سيمتد تأثير السيارات ذاتية القيادة إلى قطاعات مثل التأمين وتصميم الطرق وإدارة المرور ومعدات السلامة في المركبات وخدمات تأجير السيارات وأنماط الملكية. وبينما واصلت صناعة السيارات تطورها منذ البداية، إلا أنها احتفظت دائمًا بدور المُشغل أو السائق للبشر، وهو ما سيتغير كليًا في عصر السيارات ذاتية القيادة.

وطالما تعاملت القوانين مع السيارات كأجهزة خطيرة أو بالأحرى أقرت بخطورة تصرفات سائقيها. وتتطلب قيادة السيارات إجراء حسابات سريعة للوقت ومسارات الحركة والتعامل مع ظروف طارئة واختلاف مهارات السائقين الآخرين وسلوكياتهم، وكثيرًا ما يقود تراكم القرارات الخاطئة إلى تباطؤ حركة المرور، أو حوادث تتسبب في خسائر بشرية ومالية جسيمة. وأثبتت السيارات ذاتية القيادة تفوقها على البشر في مهارات القيادة؛ بفضل قدرة البرمجيات على التعلم والتواصل مع غيرها من المركبات ونظم المرور.

وتُكافح الأنظمة القانونية في البلدان المتقدمة لمواكبة هذا التغيير، ويُعول بعضها على الأمل في طول الفترة الانتقالية قبل أن تتقاسم السيارات ذاتية القيادة الطرق مع السائقين البشر. ويزخر التاريخ بالكثير من الأمثلة حول الأساليب الصحيحة والخاطئة في إدارة التحولات المُشابهة.

ويكفل التعامل الناجح مع السيارات ذاتية القيادة تأسيس نظام قانوني متطور يُشجع الاستثمار في تقنيات من شأنها تعزيز الرفاهية الاجتماعية والسلامة العامة والاستهلاك المُستدام للطاقة وإحداث تأثيرات إيجابية على سوق العمل واستخدام الأراضي والصحة العامة. وفي المُقابل صاحبت بداية استخدام السيارات قبل أكثر من قرن تشريعات حملت طابع الخوف من التكنولوجيا الجديدة آنذاك، ومنها قانون اشترط أن يجري شخص ملوحًا براية حمراء للتحذير من اقتراب المركبات التي لا تجرها الخيول.

وخلال السنوات القليلة الماضية تباينت أساليب الحكومات في تنظيم المركبات ذاتية القيادة بين الانفتاح والحظر التام. ومؤخرًا أصدرت “الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة” في الولايات المتحدة إرشادات للسياسات على المستوى الاتحادي والولايات؛ سعيًا لتناسق اللوائح ولتشجيع الاستخدام الآمن لتكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة.

وأقرت التوجيهات بخطورة التقنيات الجديدة غير المُجربة، وحاولت في الوقت نفسه الموازنة بين أخطارها والأخطار الحالية الناجمة عن القيادة البشرية للسيارات التي تُودي بحياة ثلاثين ألف شخص سنويًا في الولايات المتحدة وحدها. وخلصت إلى أن استخدام مركبات ذاتية القيادة ضمن إطار القانون سيُنقذ حياة كثيرين، ويُوفر في استهلاك الوقود، ويُحسّن الإنتاجية ويُوفر ملايين الساعات المهدرة بسبب مشكلات المرور.

وفي الوقت الراهن سيكون على منتجي السيارات ذاتية القيادة تقديم تقييمات لمسائل تتعلق بالسلامة منها خصوصية البيانات وقابلية الاصطدام، وأسئلة أخرى أكثر تعقيدًا مثل تعامل البرمجيات مع المعضلات الأخلاقية كمخالفة قواعد المرور أو اختيار الاصطدام بمركبة دون أخرى.

ولاقت القواعد الجديدة ترحيب المنتجين والمطورين باستثناء اقتراحها حصول السيارات ذاتية القيادة على الموافقة قبل طرحها في الأسواق على غرار مراجعة إنتاج الطائرات التجارية. وقد يعني ذلك حاجة أي تصميم جديد أو تحديث لبرمجيات الطرازات الموجودة إلى موافقة رسمية، ما يعني زيادة الوقت والتكاليف اللازمة للإنتاج.

ولا يقتصر دور الحكومات في تنظيم السيارات ذاتية القيادة على سن قواعد الاستخدام؛ إذ أن لها دورًا رئيسيًا في تشييد البنية التحتية اللازمة وتمويلها مثل الطرق الذكية وأنظمة المرور المزودة بأجهزة الاستشعار وشبكات الاتصالات المتطورة.

وفي الولايات المتحدة تهتم أطراف مختلفة بالتجاوب مع تكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة منها البيت الأبيض ووزارتي التجارة والنقل وحكومات عدد من الولايات والمدن كما تجلى في “تحدي المدن الذكية” ومحاولات أخرى لتحديث البنية التحتية والتعاون مع شركات التكنولوجيا.

وتُشير هذه الأمثلة إلى أن تطبيق السياسات الصحيحة في الوقت الملائم يُجنب المجتمعات الاضطراب في أوقات التحول، وستحصل المدن التي تُوفر ظروفًا تنظيمية متوازنة وتُشجع الابتكار وفق ضمانات السلامة على ميزات تنافسية كبيرة ليس فقط في تطوير السيارات الذكية، وإنما أيضًا في الصناعات التي تدعمها.

وفي حال صدقت وعود أنصار السيارات ذاتية القيادة فسيكون لميزاتها الثانوية أهمية كبيرة مثل الحد من التلوث ورفع مستويات الإنتاجية، وستتمكن البلدان والمدن التي تُجيد التعامل مع هذا المجال الناشئ مبكرًا من جذب استثمارات إلى قطاعات لا تتعلق بالمواصلات، وهو مصدر رئيسي للابتكارات التحويلية المُؤثرة.

المصدر والصورة