فوائد وتحديات العمل عن بُعد

يُظهِر “تقرير التنافسية العالمية” أن البلدان الأكثر تنافسية هي تلك التي تنجح في رعاية الابتكار والمواهب ومواكبة تغير طبيعة العمل بما في ذلك اعتماد سياسات لدعم العمل عن بُعد. وتبين أن خيارات العمل المرن والعمل عن بُعد هي أكبر “محرك للتغيير الديموغرافي والاقتصادي والاجتماعي” في مجال التوظيف.

وتوقع تقرير “مستقبل الوظائف” لعام 2016 أن تُوظِف المؤسسات أعدادًا أقل من العاملين بدوامٍ كامل في وظائف ثابتة، وتستعين بعاملين من بلدان أخرى ومستشارين خارجيين ومتعاقدين لإنجاز مشروعات محددة.

ومن منظور الشركات يُسهِم العمل عن بُعد في توفير التكاليف وتحسين الإنتاجية والمرونة، ويزيد قدرتها على توظيف المواهب، ويُقلل من نسب مغادرة العاملين. وبحسب شركة “جلوبال ووركبليس أنالتيكس” Global Workplace Analytics للأبحاث، تُوفر استراتيجية العمل عن بُعد للشركة مبلغًا يصل إلى 22 ألف دولار سنويًا مُقابل كل موظف يعمل عن بُعد.

وتشمل الفوائد المجتمعية للعمل عن بُعد تخفيف ازدحام المرور والآثار البيئية الناتجة عن استخدام وسائل المواصلات، فضلًا عن منافع اجتماعية وثقافية نتيجة عمل الأفراد من مواقع متنوعة حول العالم، وتحسين الاستعداد لحالات الكوارث والطوارئ. ووفقًا لشركة “جلوبال ووركبليس أنالتيكس” قال 75% من العاملين عن بُعد أن بمقدورهم مواصلة العمل في حالات الكوارث مقارنةً مع 28% من الموظفين العاديين في مقرات الشركات.

ولا تخلو إدارة العمل عن بُعد من تحديات تتمثل في مزيجٍ مُعقد من قوانين الضرائب وقضايا التوظيف والعمالة تتباين بين البلدان وحتى داخل البلد الواحد حين يكون لكل ولاية قوانينها الخاصة. ومن هذه المسائل الحد الأدنى للأجور، والاختلافات بين العمل بدوامٍ جزئي وكلي، وقواعد العمل لوقتٍ إضافي، وفحص خلفيات الموظفين، وتصنيفات الموظفين والعاملين المستقلين وغيرها.

وترتبط الاستعانة بموظفين من بلدان خارجية للعمل عن بُعد بقضايا مثل سياسات الهجرة والتعليم وفجوة المهارات وقواعد التعامل مع العاملين المستقلين والمتعاقدين. ويُؤكد ذلك على الحاجة إلى تعاون واسع بين الشركات والحكومات والمؤسسات للاستفادة الكاملة من العمل عن بُعد عبر الحدود، ولكل طرف دوره باعتبار هذا الأسلوب مستقبل القوى العاملة. كما يرتبط نجاح التوظيف عبر الحدود ارتباطًا مباشرًا بالهدف الثامن من “أهداف التنمية المستدامة” التي وضعتها الأمم المتحدة وهو “العمل اللائق والنمو الاقتصادي”.

وتحتاج المؤسسات التي تُوفر خيارات التوظيف عن بُعد إلى متابعة برامجها لفهم تأثيرها وتعزيز الاستفادة منها. وفي الواقع تُجري 3% فقط من الشركات التي تُنفذ برامج العمل المرن والعمل عن بُعد تحليلات رسمية.

الناس الهجرة التنقل

لا يغني العمل عن بُعد تمامًا عن ضرورة هجرة أصحاب بعض التخصصات للعمل في بلدان أخرى وهو أمر يعزز التنوع الثقافي وفرص العمل

ولا تُعد التحديات المرتبطة بتحقيق هذه الأهداف جديدة بأية حال؛ فتُواجه الشركات التي تسعى إلى الاندماج مع شركات خارجية أو الاستحواذ عليها صعوبات مُشابهة. وفي تلك الحالات، كما في العمل عن بُعد، تتفوق الفوائد المتوقعة على المصاعب ويُمكن تطوير حلول لدعم العمل عن بُعد عبر الحدود.

وبطبيعة الحال لا يُغني العمل عن بُعد دائمًا عن ضرورة هجرة بعض التخصصات للعمل في بلدان أخرى، ولذلك تحتاج الحكومات لسن سياسات عادلة للهجرة. وتتضمن الهجرة ذات الصلة بالعمل فوائد كامنة منها رفع نسب الخصوبة وتوفير فرص عمل وتعزيز التعددية الثقافية. ولا تسعى “موبايل مايندز” لاستبدال هجرة الأشخاص، ولكن ترمي إلى تخفيف الأعباء التي تُصاحبها وتقع على عاتق الأفراد والشركات والحكومات كلما كان ذلك ميسورًا وضروريًا. (اقرأ أيضًا عن آثار الهجرة الدولية على النمو الاقتصادي)

وتهدف مبادرة “موبايل مايندز” Mobile Minds من “مجلس مستقبل الهجرة” التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى تعزيز الازدهار الاقتصادي العالمي من خلال تقديم معلومات وزيادة الوصول إلى قوى عاملة ماهرة عبر الحدود، وتسعى إلى تحقيق التعاون بين القطاعين العام والخاص لإنجاز الأهداف التالية:

1. التوعية بشأن العمل عن بُعد عبر الحدود.
2. وضع توصيات لسياسات الشركات وممارساتها.
3. اقتراح معايير للاعتراف بالمهارات والعاملين وتنظيم الضرائب.
4. إنشاء فضاء افتراضي لتواصل مجتمع متنوع من العاملين عن بُعد.

وإجمالًا يُمثل العمل عن بُعد أحد مظاهر الثورة الصناعية الرابعة التي وصفها البروفيسور كلاوس شواب، المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي،بأنها ستُغير بشكلٍ جوهري طريقة عيشنا وعملنا وارتباطنا ببعضنا البعض. وسيستفيد العمل عن بُعد من “مجموعة التقنيات الجديدة التي تدمج العوالم المادية والرقمية والبيولوجية، وتُؤثر على جميع التخصصات والاقتصادات والصناعات، وتشكك في أفكار راسخة حول ما يعنيه الإنسان”.

وعلى امتداد سنوات القرن العشرين بات التنقل اليومي إلى العمل جزءًا أساسًا من الحياة الإنسانية. وفي هذا القرن قد يُغيّر العمل عن بُعد وقت العمل ومكانه وكيفية إنجازه، ويتحول العمل إلى ما يقوم به الأشخاص وليس المكان الذي يذهبون إليه.

المصدر

الصور: 1 2

One Response

  1. انس عبد