في إندونيسيا: فصل جديد من الاحتجاجات على خدمات طلب السيارات ومحاولة حكومية للتنظيم

كحال الكثير من مدن العالم، كانت العاصمة الإندونيسية جاكرتا مسرحًا لفصل جديد من فصول الاحتجاجات على خدمات طلب السيارات من خلال الهواتف الذكية، وشهدت يوم الثلاثاء الماضي احتجاجات واسعة لسائقي سيارات الأجرة التقليدية على عمل الشركات الجديدة، وأبرزها في إندونيسيا “أوبر تكنولوجيز” Uber Technologies و”جراب تاكسي” GrabTaxi.

ولم تختلف دوافع السائقين كثيرًا عن أسباب معارضة نظرائهم في دول أخرى لهذه الخدمات؛ ومنها تأثيرها السلبي على دخولهم، وعملها في ظل ظروف غير مُتكافئة للمنافسة. وطالبوا الحكومة بالتدخل لتنظيم عملها أو حظرها.

وشارك في الاحتجاجات نحو اثني عشر ألف سائق، واصطفت سياراتهم في طرق رئيسية في جاكرتا، ما أعاق حركة المرور في المدينة المزدحمة أصلًا بعدد سكان يتجاوز عشرة ملايين نسمة. وتضمنت الاحتجاجات إشعال بعض إطارات السيارات وإصابات طفيفة ومناوشات بين المحتجين وزملائهم من السائقين ممن واصلوا عملهم. وانتشر في الشوارع نحو سبعة آلاف من أفراد الشرطة والجيش، وانتهى اليوم باعتقال نحو ثمانين سائقًا بسبب العنف الذي شاب بعض الاحتجاجات.

أسباب الاحتجاج ومطالب بالتنظيم

تصاعدت شعبية خدمات توفير السيارات بحسب الطلب عبر الهواتف الذكية في جاكرتا التي تُعاني من ازدحام مروري خانق، ووفرت الخدمات الجديدة أسعارًا أقل من سيارات الأجرة التقليدية. ويشكو قطاع سيارات الأجرة من عدم خضوع هذه الخدمات لنفس اللوائح التي تُنظم عملهم، كما لا يتكبدون نفس التكاليف كالضرائب والتراخيص.

ويقول المحتجون أن معاشهم ورواتبهم تأثرت سلبًا وتراجعت بسبب خدمات مثل “أوبر” و”جراب كار” GrabCar. وقال البعض أنهم لا يُعارضون عمل هذه التطبيقات، وإنما يطلبون من الحكومة توفير مجال مُتكافئ للمنافسة، وخضوع الجميع للقواعد ذاتها.

وقال المتحدث باسم “رابطة سائقي النقل البري”، سوهارتو: “لمذا ندع شركتين يُفسدان نظامنا للمواصلات الذي يعمل منذ عقود؟”، وأضاف أن سيارات الخدمتين لا تدفع الضرائب ولا تحمل عدادات كسيارات الأجرة التقليدية، واعتبر عملها بمثابة تهميش لنظام النقل القائم.

ويقلق السائقون من تراجع دخولهم وخسارة وظائفهم، ويسعون إلى ساحة عمل تضع شروطًا مُوحدة. وقال روجيكين، وهو سائق بدأ عمله مع “بلو بيرد تبك” Blue Bird Tbk قبل ما يزيد عن عامين، أن دخله قد تراجع بمقدار النصف إلى خمسة دولارات يوميًا بعد ظهور خدمات طلب السيارات عبر الهواتف الذكية، مُشيرًا إلى الصعوبات التي يُواجهها لإطعام أسرته.

ويحمل السائقون العاملون لدى شركات سيارات الأجرة المخاوف ذاتها. وقالت شركة “بلو بيرد تبك”، أكبر شركات سيارات الأجرة في البلاد، أنها تتفهم دوافع المحتجين، لكنها نصحت سائقيها الذين يُقدر عددهم بثلاثة وعشرين ألف سائق بعدم المشاركة.

وفي اليوم التالي عادت حركة المرور في جاكرتا إلى طبيعتها على الرغم من ظهور عدد أقل من سيارات الأجرة مُقارنةً بالأيام العادية. وقدمت شركة “بلو بيرد تبك” رحلات مجانية لمدة أربعة وعشرين ساعة؛ بهدف تعويض المستهلكين المُتضررين من نقص سيارات الأجرة خلال احتجاجات يوم الثلاثاء.

احتجاجات سائقي سيارات  الأجرة في جاكرتا

شارك في الاحتجاجات نحو اثني عشر ألف من سائقي سيارات الأجرة في جاكرتا وطالبوا الحكومة بالتدخل لتنظيم عمل خدمات طلب السيارات مثل “أوبر”

ردود مُتباينة على الاحتجاج

تباينت الردود الأولى للحكومة الإندونيسية. وعقب احتجاج أصغر حجمًا في الأسبوع السابق اقترح وزير النقل، إجانسيوس جونان، منع التطبيقات الجديدة لحين توافقها مع قواعد تسجيل السائقين والسيارات، واجتياز سائقيها الاختبارات، وتوفيرها رسوم للرحلات تُساوي ما تحصل عليه سيارات الأجرة.

أما وزير الاتصالات والمعلومات فقال أنه بدلًا من حظر خدمات طلب السيارات عبر الهواتف الذكية، ينبغي مساعدتها على تقنين عملها. وفي الوقت الراهن تسعى هذه الشركات لاستصدار تراخيص تسمح لها بالعمل كشركات تكنولوجيا بالتعاون مع شركات تأجير السيارات.

وفي يوم الثلاثاء الماضي صرح نائب رئيس إندونيسيا، يوسف كالا، قائلًا: “لا يُمكننا رفض التكنولوجيا، لكن ما يسعنا عمله هو التنظيم”.

وقال العضو المنتدب لشركة “جراب” في إندونيسيا أن شركته تدعم وتعتزم الامتثال للتوجيهات الحكومية “التي تُفيد كلًا من الركاب والسائقين على حدٍ سواء”. وعقب احتجاج سابق للسائقين نشرت شركة “أوبر” على موقعها رسالةً تُؤكد فيها التزامها بالتعاون مع الحكومة الإندونيسية من أجل “ضمان التوافق التام مع اللوائح، ومواصلة توفير نقل آمن وموثوق”.

وتُخطط شركة “بلو بيرد تك” للتباحث مع الحكومة بشأن طريقة أكثر عدلًا للتسعير. كما تُحدث تطبيقاتها للهواتف المحمولة للتوافق مع طلبات المستهلكين. وكانت الشركة قد جمعت ما يزيد عن مائتي مليون دولار عند طرح أسهمها في سوق الأوراق المالية في عام 2014، وتُسيطر على 43% من سوق سيارات الأجرة في إندونيسيا.

سعي حكومي للحل

وفي محاولة لحل النزاع المُتصاعد عقدت الحكومة الإندونيسية يوم الأربعاء اجتماعًا بحضور ممثلين لشركات طلب السيارات عبر الهواتف الذكية، وعرضت على الشركات العمل الرسمي من خلال التعاون مع الشركات المُسجلة رسميًا لتأجير السيارات أو خدمات سيارات الأجرة.

وقال القائم بأعمال المدير العام للنقل البري، وجيهاردو: “يتوجب عليهم التعاون مع شركات النقل العام الرسمي المُسجلة”. وأضاف أنه يُمكن لشركتيّ “أوبر” و”جراب” مواصلة عملهما العادي لحين حصولهما على التراخيص الجديدة، لكن لن يُسمح لهما بإضافة سيارات أو سائقين جُدد.

وقالت كلٌ من “أوبر” و”جراب” أنهما ستتعاونان مع الحكومة من خلال العمل مع شركاء يمتلكون تراخيص للنقل. وحتى الآن تُناقش مختلف الأطراف تفاصيل التنفيذ ومدة الفترة الانتقالية.

وبالفعل وقعت “أوبر” شراكة مع شركة لتأجير السيارات، وتسعى لاستكمال الأوراق اللازمة للتحول إلى كيان قانوني مُسجل. واعترفت وزارة التعاونيات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة في إندونيسيا بهيئة تعاونية شكلها السائقون العاملون مع “أوبر”. كما شكل السائقون في خدمة “جراب كار” جميعة تعاونية الأسبوع الماضي. وتُوفر “جراب تاكسي” خدمات طلب السيارات والدراجات النارية الأجرة وتوصيل الطلبات.

ولا تزال تفاصيل التقنين الجديد لشركات طلب ومشاركة السيارات بحاجة إلى نقاش، لكن رئيس “منظمة جاكرتا للنقل البري”، التي نظمت الاتجاجات، أعرب عن سعادته بالنقاش الذي نظمته الحكومة. وقال أنهم لا يخططون لتنظيم احتجات جديدة.

احتجاجات سابقة لأسباب مُماثلة

جاءت الاحتجاجات الأخيرة في سياق محاولة الكثير من مدن العالم التكيف مع التقنيات والتطبيقات الجديدة في مجال المواصلات، كما تُواكب اشتعال حدة المنافسة بين شركات توفر تطبيقات طلب وتقاسم السيارات والشركات التقليدية لسيارات الأجرة.

واندلعت احتجاجات مُماثلة في مدن أخرى منها العاصمة الفرنسية باريس ومدينة هانجتشو الصينية والعاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي. وواجهت هذه الخدمات قيودًا تنظيمية أو مُنعت تمامًا في بعض أنحاء أوروبا والصين ومدينة ريو دي جانيرو البرازيلية.

وفي إندونيسيا على وجه التحديد، يُشكل نمو خدمات طلب السيارات مثل “أوبر” تحديًا للحكومة التي تسعى من ناحية للترحيب بالاستثمارات الجديدة وتعزيز دور التكنولوجيا لدفع نمو اقتصادها الأكبر في منطقة جنوب شرق آسيا، ومن ناحية أخرى تُحاول ضمان تطبيق قواعد الضرائب وتراخيص العمل ومعايير السلامة.

وتضمنت مذكرة لشركة “باهانا سيكيوريتز” Bahana Securities الإندونيسية للاستثمارات المصرفية أنه لا ينبغي لإندونيسيا السماح بانتهاء الشركات بسبب تدابير حماية غير صحية تُشجع قصور الخدمات.

مصدر الصور: 1 2