في الولايات المتحدة: تطبيقات للهواتف الذكية تُيسر إبلاغ المواطنين عن إهدار المال العام والاحتيال

منذ فترة طويلة أتاحت مدن وولايات أمريكية خطوطًا هاتفية ساخنة لاستقبال بلاغات المواطنين عن إساءة استخدام الموارد الحكومية وحالات الإهدار والغش، ولاحقًا قدمت بعضها تطبيقات للهواتف الذكية تسمح للمواطنين دون الكشف عن هويتهم بتقديم معلومات عن وقائع يرون فيها إهدارًا للمال العام أو شبهات غش وإساءة استخدام.

وتُمثل تطبيقات الهواتف الذكية مستوى مختلف لتفاعل المواطنين؛ إذ تُتيح لهم دعم إدعاءاتهم بصور ومقاطع الفيديو، وأحيانًا يُمكن لمدققي الحسابات والمراجعين استخدام التطبيقات نفسها لطلب معلومات إضافية من المبلغين، وتضمن في الوقت نفسه إخفاء هويتهم.

وساعدت بلاغات المواطنين عبر الهواتف الذكية والخطوط الساخنة مدنًا أمريكية في اكتشاف مخالفات للسلامة في عشرات العقارات، وآلاف الدولارات من الضرائب المستحقة غير المدفوعة والنفقات الوهمية، وقادت إلى فصل موظفين بعد الشكوى من سرقة أشياء من سيارات مُصادرة. كما أن البلاغات كثيرًا ما ترد من موظفين داخل المؤسسات الحكومية يترددون في اتباع الطرق الرسمية للإبلاغ عن المخالفات.

وتتمتع الهواتف الذكية بانتشارٍ واسع، ويستخدمها 64% من البالغين الأمريكيين بحسب دراسة “مركز بيو للأبحاث”، ويرى مراقبون للحسابات في المدن والحكومات المحلية أن السهولة البالغة لتقديم البلاغات من خلال التطبيقات تجعل المواطنين أكثر إقبالًا على تقديم معلومات عن شبهات الغش وإهدار الموارد وسوء توظيفها.

وقال مُراجع الحسابات في ولاية أوهايو، ديف يوست: “تتحول الهواتف الذكية إلى أدوات واسعة الانتشار، وأعتقد أننا بحاجة إلى الالتقاء بالناس حيثما كانوا”. وقدم يوست تطبيق الإبلاغ عن الاحتيال في أوهايو في عام 2014.

وتتفاوت تكلفة تطوير هذه التطبيقات بين مدينةٍ وأخرى؛ فبينما نجحت ولاية أوهايو في تطوير تطبيقها الخاص، استعانت مدينة ريتشموند في ولاية فرجينيا بمساعدة خارجية وتكلف تطبيقها عشرة آلاف دولار، ووصلت كلفة تطوير تطبيق مدينة يبيتسبرج الذي طُرح في وقتٍ سابق من هذا الشهر إلى عشرين ألف دولار، بالإضافة إلى حاجته إلى ثلاثة آلاف دولار للصيانة. ويُتيح تطبيق بيتسبرج للمستخدمين الإطلاع على مجموعات متنوعة من البيانات تتعلق بالعقود التي تُبرمها المدينة والتبرعات المُقدمة للحملات الانتخابية.

تأثيرات غير مُؤكدة

في الواقع يصعب في الكثير من الأماكن تبين حجم الفارق الناتج عن توفير تطبيقات الهواتف الذكية لتلقي بلاغات عن السرقة والاحتيال في المؤسسات الحكومية مُقارنةً مع الخطوط الهاتفية الساخنة؛ نظرًا لعدم تتبع مُراجعي الحسابات مصدر البلاغات، بالإضافة إلى سماح الكثير من هذه التطبيقات للمستخدمين بالاتصال بالخط الساخن عبر التطبيق.

وحتى الآن نالت التطبيقات قدرًا قليلًا نسبيًا من إقبال المواطنين، وحصل على تطبيق مدينة لونج بيتش 160 مستخدم فقط، ونزّل تطبيق ولاية أوهايو 673 مستخدم، ووصل عدد تنزيلات تطبيق مدينة فيلادلفيا إلى 2015 تنزيل، ويُعد الأخير من أوائل تطبيقات الإبلاغ عن إهدار المال العام والاحتيال وطرحته المدينة في عام 2011.

وفي كل الأحوال وسواءً وردت البلاغات إلى المدن من خلال تطبيقات الهواتف الذكية أو الخطوط الهاتفية، فإن الحكومات تحصل على معلومات مهمة، وتتعدد الأمثلة؛ فقاد بلاغ إلى تحقيق مكتب المدقق المالي لمدينة فيلادلفيا حول 260 عقارًا.

وأسفر التحقيق عن كشف ارتكاب 36% منها إجمالي 135 انتهاكًا للقانون والتراخيص منها مسائل تتعلق بالاستعدادات للحرائق أو سوء الصيانة، كما بيّن التحقيق مواجهة أحد العقارات خطر الانهيار الوشيك. وفضلًا عن أمور السلامة العامة، وصل إجمالي ضرائب العقارات والمياه غير المدفوعة إلى مبلغ يقل قليلًا عن 357 ألف دولار.

وقال المتحدث باسم المُراقب المالي لمدينة فيلادلفيا، بريان دريز، مُشيرًا إلى تكلفة تطوير التطبيق التي بلغت تسعة آلاف دولار: “تتجاوز فائدة قدر التفاعل الذي حصلنا عليه تكلفة تطوير التطبيق”.

وفي مدينة لونج بيتش في ولاية كاليفورنيا أدت بلاغات مواطنين عن فقدان أشياء من سيارات تعرضت للمصادرة أو السحب إلى فصل ستة موظفين في المدينة، وقاد التدقيق إلى تغيير طريقة المصادرة والرهن مُقابل المال.

وفي المُقابل، لا تنتهي جميع اقتراحات وادعاءات المواطنين عبر تطبيقات الهواتف الذكية إلى بلاغات، كما يصعب التحقيق في الكثير منها. وعلى سبيل المثال، ففي كلٍ من فيلادلفيا ولونج بيتش تُعتبر نصف بلاغات المواطنين لا تتضمن أدلةً كافية، وينتهي الأمر بحصولها على مراجعة أولية فقط.

وقال دريز من مدينة فيلادلفيا: “يُفضل أغلب الأشخاص عدم الكشف عن هوياتهم، لكن إذا لم يُقدموا ما يكفي من المعلومات وفي حال لم يُقدموا وسيلة اتصال، يصعب علينا متابعة ما نتقصى عنه”.

وفي كثيرٍ من الحالات تُوجه البلاغات إلى وكالات حكومية أخرى لمتابعة أمور تتعلق بموظفيها أو البحث في أمر ضمن اختصاص الوكالة. وقال ديف يوست، مُراجع الحسابات في أوهايو، أن المعلومات المُقدمة عن تجارة المخدرات أو تلك التي تتضمن صورةً لمنشور شخص في “فيسبوك” يعرض بيع قسائم الطعام المُخصصة لذوي الدخل المُنخفض تُوجه إلى الوكالات المعنية لاتخاذ الإجراءات المناسبة حيالها.

وأضاف يوست أن الولاية ملتزمة بالتحقيق في البلاغات التي تتضمن اتهامات لمسؤولين في الولاية مهما بدت مُخالفة للمنطق ويصعب تصديقها، ومنها بلاغ ورد مؤخرًا قال فيه أحد المواطنين أن مدينته على وشك الإفلاس، وبرر ذلك بمشاهدة عمدة المدينة يشتري تذاكر اليانصيب من عددٍ من محطات الوقود في مختلف أنحاء المدينة.

أصوات من الداخل

وكثيرًا ما يكون موظفو الحكومة أنفسهم هم مصدر البلاغات عن الإهدار والسرقة وإساءة استخدام الموارد. وخلصت دراسة شملت ثمانية وخمسين بلاغًا وردت إلى مكتب مدقق الحسابات في مدينة لونج بيتش عبر الخط الهاتف الساخن إلى أن موظفي المدينة شكلوا نسبة 40% من المتصلين، وكان 36% من سكان المدينة، بينما فضلت النسبة المُتبقية أي 24% عدم الكشف عن هوياتهم.

وتُشجع تطبيقات الهواتف الذكية الموظفين للإبلاغ عن المشكلات التي يرونها. وعلى الرغم من تمتع موظفي الحكومة في أكثر الأحيان بحماية قوانين الإبلاغ عن المخالفات، إلا أن كثيرين قد يترددون في خوض القنوات الرسمية للشكاوى والإخطار بالمخالفات.

وأتاحت مدينة ريتشموند تطبيقها للإبلاغ عن السرقة وإهدار المال العام في عام 2012. ويُقدر مدير التحقيقات في مكتب مدقق حسابات المدينة، كريج جونسون، أن 70% من البلاغات التي استقبلها مكتبه تعود إلى موظفين في الحكومة استنادًا إلى صياغة الشكوى ونوعيتها.

وقال جونسون: “يُقدم بعض الأشخاص شكاوى مُنصفة، لكن ليس لدى البعض الآخر شكاوى مُبررة ويرغبون فقط في التسبب بالمشكلات لآخرين”، وأضاف: “أحيانًا ما يُهملون الحقائق، وربما يسعون إلى إزعاج شخص ما بدفعه إلى البحث، لكن حتى إذا ما قدموا بلاغًا كاذبًا، لا يُمكننا ملاحقتهم لأننا لا نعرف شخصياتهم”.

ومع ذلك، لا يُمكن بحال إنكار القيمة الكبيرة والنفع الواضح لبلاغات المواطنين ومشاركتهم، وقادت إحداها المحققين في مدينة ريتشموند إلى اكتشاف نحو 33 ألف دولار من الإنفاق المشكوك فيه أو غير المُبرر أو الذي يحمل شبهة احتيال لإحدى الموظفات.

وطلبت الموظفة نفقات تفوق ما ينبغي لها الحصول عليه نظير السفر، ونالت تكاليف السفر إلى مؤتمر لم تحضره في مدينة بورتلاند في ولاية أوريجون، وبدلًا من ذلك سافرت إلى سياتل. وأقرت موظفة ريتشموند بالذنب، وسيكون عليها إعادة 9556 دولار إلى المدينة. ويحق لمُقدم البلاغ الحصول على مكافأة تبلغ 10% من المبالغ المُستردة أي ما يصل إلى خمسة آلاف دولار.

المصدر