في رواندا: شبكة من الطائرات بدون طيار لتوصيل المستلزمات الطبية الضرورية

تُخطط شركة “زيبلاين” Zipline الأمريكية الناشئة لإطلاق شبكة توصيل الإمدادات الطبية كالأدوية والدم بواسطة الطائرات من دون طيار الصغيرة في رواندا خلال شهر يونيو/حزيران المُقبل، وستُغطي خدمتها أكثر من نصف مساحة البلاد، وتُؤسس لشبكة آلية لنقل المستلزمات الطبية إلى المناطق النائية خلال ساعات عوضًا عن الانتظار لأسابيع وشهور.

وتُعد رواندا واحدة من أفقر دول العالم، واحتلت المركز السبعين بعد المائة بحسب الناتج المحلي الإجمالي وفقًا لتصنيف “صندوق النقد الدولي” في عام 2014.

ولذلك قد يكون غريبًا أنها البلد الأول في العالم في تجربة شبكة توصيل تعتمد على الطائرات دون طيار، وتتقدم على بلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي شهدت الكثير من الضجة حول أنظمة توصيل مستقبلية واعدة تستخدم الطائرات من دون طيار في المناطق الحضرية والضواحي، وروج لبعضها شركات كبيرة في قطاع التكنولوجيا مثل “أمازون” و”جوجل”، بحسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.

وقال مايكل فيربانكس، عضو المجلس الاستشاري لرئيس رواندا بول كاجامي: “قرر تنفيذ مفهوم موانئ الطائرات من دون طيار وحدة صغيرة جدًا لاتخاذ القرار في البلاد، واستغرق الأمر فترة قصيرة جدًا، وهو شيء يُمكن لأمريكا التعلم منه”.

ويُشير سبق رواندا في تنفيذ شبكة التوصيل بواسطة الطائرات من دون طيار إلى حالة التفاوت في تبني التكنولوجيا الجديدة التي تتكرر في كثيرٍ من الأحيان؛ ففي الولايات المتحدة واجهت الطائرات بدون طيار عوائق التنظيم والقواعد المُتضاربة، بينما تعتمد خطة التنمية الرئيسية في رواندا على استخدام الآلات في الطب أولًا، ثم في التنمية الاقتصادية على نطاقٍ أوسع.

وقال وليام هترلز، المؤسس المشارك في “زيبلاين”: “تمتلك رواندا رؤية للتحول إلى مركز للتكنولوجيا في شرقيّ أفريقيا، ولاحقًا في القارة بأكملها”، وأضاف أن المشروعات المُماثلة لشركته تتلائم على نحوٍ جيد جدًا مع مثل هذه الاستراتيجية.

شبكة توصيل المستلزمات الطبية

في البداية سيتمكن نظام التوصيل المعتمد على الطائرات من دون طيار من إنجاز عدد يتراوح بين خمسين إلى مائة وخمسين عملية توصيل يوميًا للدم والأدوية، تتجه إلى إحدى وعشرين منشأة لنقل الدم ويُوجد أغلبها في مستشفيات وعيادات في النصف الغربي من رواندا.

ويعتمد النظام على خمس عشرة طائرة صغيرة بدون طيار، تحمل كل منها محركين كهربائيين، وتصل حمولتها إلى ما يُعادل 1.5 كيلوجرام، وتبلغ المسافة بين جناحيها نحو ثمانية أقدام ما يُساوي 2.4 متر تقريبًا. وتسمح السرعة بالحفاظ على “سلسلة التبريد” وهي سلسلة توريد يجري التحكم في درجة حرارتها وتُعد ضرورية لتوفير الدم واللقاحات، وفي كثيرٍ من الأحيان يصعب تنفيذها في البلدان النامية.

وتستخدم طائرات من دون طيار “زيب” Zip مستقبلات “النظام العالمي لتحديد المواقع” أو “جي بي إس” من أجل الملاحة، وتتصل من خلال شبكات الهواتف المحمولة في رواندا، ويُمكنها الطيران في الأحوال الجوية القاسية، وتحمل رياح تصل سرعتها إلى ثمانية وأربعين كيلومتر في الساعة.

وحين تصل الطائرات من دون طيار إلى المستشفيات لن تهبط، وعوضًا من ذلك ستُسقِط حمولتها بواسطة مظلات ورقية بسيطة من ارتفاعات منخفضة جدًا، وبعدها تتجه إلى قاعدة الانطلاق ليجري إعدادها لتنفيذ مهمة توصيل جديدة من خلال استبدال البطارية ووضع خطة الطيران الجديدة على بطاقة “وحدة تعريف المشترك” أو SIM.

وتطير الطائرة من دون طيار في مسارات محددة، ويُمكن تغييرها من خلال تطبيق للحواسيب اللوحية، وتستغرق نصف ساعة لتقطع مسافة تصل إلى تسعين ميلًا أي ما يُعادل 144 كيلومتر، ويُبين الفيديو التالي إسقاط طائرات “زيب” غير المأهولة لحمولتها:

وقال جاي جوندلاش، رئيس شركة “فلايت هاوس إنجيرينج” FlightHouse Engineering لاستشارات الطيران في ولاية أوريجون: “هذا هو الوجه الجديد لصناعة الطيران. ينبغي للشركات المُنتجة للطائرات غير المأهولة التعلم من الثقافة الرشيقة والمُبتَكرة في (زيبلاين)”.

وتُحاول شركات أخرى التوصل إلى حل لمشكلة التوزيع الآلي للمستلزمات الطبية، وتعتمد بعض الأنظمة الأخرى على تصميمات لطائرات بدون طيار متعددة الدوارات أو رباعية الدوارات أقل كفاءة، ويقتصر عملها على نطاقٍ أقصر، وتتمتع بقدرةٍ أقل على الطيران في مختلف الأحوال الجوية.

ومن بين هذه المساعي في الولايات المتحدة شركة “فليرتي” Flirtey التي اختبرت إيصال إمدادات طبية بواسطة طائرات هليكوبتر في ولاية فيرجينا، وشركة “ماترنت” Matternet التي أطلقت مشروعًا تجريبيًا بالتعاون مع حكومة ملاوي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” للاستعانة بالطائرات من دون طيار لنقل عينات الدم لتشخيص إصابة الأطفال بفيروس نقص المناعة المكتسبة. كما يعمل قسم “إكس” للأبحاث المتقدمة في شركة “ألفابت” على تطوير نظام رأسي للإقلاع والهبوط يُحلق ويُوصل الطرود بواسطة روافع.

ولا تُعتبر رواندا تحديدًا غريبة عن توظيف الطائرات من دون طيار؛ إذ تناولت تقارير استعداد شركة “فوستر آند بارتنرز” Foster + Partners للهندسة المعمارية لتشييد مطار للطائرات من دون طيار في رواندا، وإن كانت البلاد لا تزال تُصيغ اللوائح المُنظمة، ولاسيما مع وجود خطر ولو ضئيل لاصطدامها بالطائرات التجارية.

“زيبلاين”: قصة البداية

بدأت شركة “زيبلاين” عملها في عام 2014 بعدما التقى اثنان من مؤسسيهما، هما كيلر رينادو ووليام هتزلر، مع موظف في الصحة العامة في دار السلام عاصمة تنزانيا. وعرض عليهما نظامًا طوره للرسائل النصية، يسمح للعاملين في المستشفيات بطلب الإمدادات الطبية بشكلٍ عاجل في المواقف الخطيرة التي تتعلق بتهديد جدي لحياة المرضى.

ووصف رينادو قاعدة البيانات لطلبات الإمدادات الطبية بقائمة من الموتى وأحكام الإعدام، وتضمنت معلومات عن كل طلب عبر الرسائل النصية وأسماء آلاف الأشخاص كان أغلبهم من الأطفال، لكن دون أن تلقى استجابة بسبب قصور سلسلة التوريد.

وفي الوقت الحاضر تجري محاولات في الكثير من أنحاء العالم لتوصيل المستلزمات الطبية بواسطة الدراجات النارية أو الشاحنات الصغيرة، لكنها تُواجه عقبة سوء حالة الطرق لدرجة استحالة التنقل فيها أحيانًا، ولذلك ربما تكون الطائرات دون طيار بديلًا مناسبًا لكثيرٍ من البلدان النامية مثلما تجاوز بعضها تركيب خطوط الهواتف الثابتة، واتجه مباشرةً إلى الهواتف المحمولة.

شبكة توصيل بواسطة طائرات  من دون طيار "زيبلاين" Zipline

يُمكن لطائرة “زيبلاين” من دون طيار تحمل ظروف جوية قاسية كما تتواصل من خلال شبكات الهواتف المحمولة وتعتمد على “النظام العالمي لتحديد المواقع” في الملاحة

وتحمس رينادو وهتزلر للعثور على بديلٍ جوي لتحويل سلسلة التوريد إلى عملية آلية، والتقى الاثنان مع كينان ويروبك، وهو عالم روبوتات مُدرب في “جامعة ستانفورد” الأمريكية، ولعب دورًا رئيسيًا في تصميم الروبوت الرائد “بي آر 1” PR1 متعدد الأغراض والمزود بذراعين، ولاحقًا في تصميم الروبوت “بي آر 2” PR2 الأكثر تقدمًا الذي طورته شركة “ويلو جارج” Willow Garage للروبوتات.

وكون الثلاثة فريقًا هندسيًا يضم خبرات في صناعة الطيران، واجتذب الفريق مواهب من شركات بارزة مثل “سبيس إكس” و”أورورا فلايت ساينس” و”بوينج” و”لوكهيد مارتن” و”جوجل”، بالإضافة إلى “جامعة ستانفورد”.

وجمعت شركة “زيبلاين” في مدينة هاف مون باي في ولاية كاليفورنيا تمويلًا بلغ ثمانية عشر مليون دولار من مستثمرين منهم “سيكويا كابيتال”، و”جي في” أو “جوجل فنتشرز” سابقًا، و”إس في أنجل”، و”جامعة ستانفورد”، وشخصيات منها جيري يانج مؤسس شركة “ياهو”، وبول آلن أحد مؤسسي “مايكروسوفت”.

وقال هتزلر أن التعاون الوثيق بين مهندسين يتمتعون بخبرة في الإلكترونيات الاستهلاكية وعلماء الروبوتات ومهندسي الطيران أتاح تطوير نظام آلي سريعًا، ويُمكنه العمل اعتمادًا على عدد يتراوح بين خمسة إلى ثمانية موظفين.

وفي شهر فبراير/شباط الفائت وقعت “زيبلاين” عقدًا مع حكومة رواندا لإطلاق نظام التوصيل بواسطة الطائرات من دون طيار خلال الصيف الحالي، وسيعمل فريق صغير في مدينة تقع بالقرب من العاصمة كيجالي للإشراف على الخدمة.

وقال بول ولارد، المهندس السابق المتخصص في ديناميكا الهواء في شركة “بوdنج” وأحد المستثمرين في “زيبلاين” مُشيرًا إلى نظام الشركة الطموح أنه دائمًا ما يتذكر قول المستثمر بيتر تيل مُتحدثًا عن “تويتر”: “وُعدنا بالسيارات الطائرة وكل ما حصلنا عليه هو مائة وأربعين حرفًا”، وأضاف ولارد: “هذا يُشبه قليلًا السيارات الطائرة”.