في مكسيكو سيتي: تجربة لرسم خرائط مسارات الحافلات من خلال تطبيق للهواتف الذكية

في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، يوجد أكثر من 1500 خط للحافلات الخاصة ما يجعلها واحدة من أكبر أنظمة الحافلات في العالم، وتشهد يوميًا 14 مليون رحلة تُمثل نحو 60% من انتقالات سكان المدينة إلى جانب الحافلات العامة وقطارات الأنفاق.

لكن لا يعرف أحد على وجه الدقة مسارات الحافلات، ومن أين تبدأ رحلاتها وإلى أين تنتهي، ولا تُوجد أية خريطة رسمية تصف مساراتها. وسعيًا لرسم خريطة لمسارات الحافلات استعان مسؤولو المدينة وشركات ومؤسسات بحثية وأخرى استشارية وغير هادفة للربح بالركاب أنفسهم من خلال إسهامهم  في تطبيق للهواتف الذكية يعتمد على الاستعانة بمصادر جماعية وفكرة ألعاب المحمول.

وأطلقت إدارة النقل في مدينة مكسيكو سيتي وعدد من الشركات والمنظمات تطبيق “مابثون ميكسيكو سيتي” Mapatón CDMX الذي اسُتلهم من تجربة سابقة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في رسم خرائط رقمية لمسارات الحافلات في مدينة دكا، عاصمة بنجلاديش. وخلال النصف الأول من شهر فبراير/شباط الماضي، استخدم التطبيق 3594 مُشاركًا. ودون هذا الحل، كان تحديد مسارات الحافلات بالطرق التقليدية سيستغرق أشهر وربما سنوات، إلى جانب حاجته إلى تكاليف أكبر.

شبكة حافلات دون نظام

منذ تسعينيات القرن العشرين ظهرت خطوط الحافلات بالتزامن مع النمو المُتواصل لمدينة مكسيكو سيتي، واستجابةً لاحتياجات السكان. وخلافًا للحافلات العامة وقطارات الأنفاق التي تخضع لإدارة حكومية وتتبع جداول مواعيد، يُدير أصحاب الامتيازات الحافلات الخاصة والصغيرة التي تُعرف باسم Peseros، ويحصل بعضهم على تراخيص من السلطات المحلية، في حين يفتقر آخرون إلى تصاريح العمل.

وفي مكسيكو سيتي، التي تتألف من المنطقة الفيدرالية وستين بلدية في ولايتين ويتجاوز عدد سكانها ثمانية ملايين نسمة، يتجاوز عدد مُشغلي الحافلات الخاصة خمسة وعشرين ألف شخص يتنوعون بين السائقين المستقلين وآخرين يديرون عدة حافلات. وتعتمد إيراداتهم على عدد الركاب، ما يدفعهم إلى التكيف وفقًا لذلك وتعديل المسارات حسب حالة المرور، وإنشاء محطات توقف جديدة حسب احتياجات المسافرين.

ويُنتج ذلك كله نظامًا يفتقر إلى الكفاءة، ومسارات مُتشابهة، ورحلات تستغرق وقتًا أطول مما ينبغي، وصعوبات في التنقل ولاسيما للغرباء. حتى أن موقع مدينة مكسيكو سيتي على الإنترنت يذكر أن شبكة الحافلات “تخدم المدينة بأكملها، لكن تحديدها قد يكون مُعقدًا، كما أنها ليست دائمًا الوسيلة الأكثر راحة للتنقل”. وينصح الموقع الزوار غير المُعتادين على التجول في المدن الكبيرة بتجنب استخدامها.

خوارزميات لمُواجهة التحديات

اعتمد تطبيق “مابثون مكسيكو سيتي” على تنافس المُشاركين للفوز بالجوائز النقدية وغيرها من المكافآت، وذلك من خلال تنزيل التطبيق وركوب الحافلات، وكسبهم النقاط مع كل رحلة. وتطلب استخدام التطبيق سماح المستخدمين بمشاركة بيانات موقعهم الجغرافي، وإدخالهم بيانات إضافية حول خطوط الحافلات في قاعدة بيانات وليدة بهدف رسم خريطة لنظام الحافلات.

وفي حين يبدو عمل تطبيق “مابثون مكسيكو سيتي” بسيطًا، إلا أنه تطلب تطوير خوارزميات ذكية من أجل التغلب على المشكلات الصعبة الكامنة في الاستعانة بعددٍ كبير من الأشخاص لإنجاز مهمة مُعقدة.

ومن بين التحديات التي واجهت الفريق الانتشار المحدود نسبيًا للهواتف الذكية التي تتوافر لربع سكان مكسيكو سيتي فقط. وبالتالي سعى الفريق لتجنب التركيز على رسم خرائط خطوط الحافلات في المناطق التي تشهد النسبة الأكبر من الهواتف الذكية، بحسب ما قال أومبرتو فوينتيس من “مختبر لأجل المدينة” إحدى المُؤسسات المُشاركة في المشروع.

ولهذا الغرض طور الفريق خوارزمية تُغير عدد النقاط التي يستحقها كل مسار للحافلات؛ بهدف تشجيع المُشاركين على التجول في مختلف أنحاء المدينة. وأوضح المطور كريستيان جيريرو: “لا يُمكننا الاكتفاء بإرسال مواطنين لتحديد أي مكان في أي وقت. علينا تحديد أولويات”.

تطبيق "مابثون مكسيكو سيتي"

اعتمد تطبيق “مابثون مكسيكو سيتي” على مشاركة الركوب بتسجيل مسارات الحافلات في المدينة

وتوقع فريق العمل المناطق التي يُرجح أن تشهد نسبةً أقل من انتشار الهواتف الذكية لتستحق نقاطًا أكبر مُقارنةً مع المناطق التي يتردد عليها الكثير من المشاركين، كما غيرت الخوارزمية باستمرار من النقاط التي يستحقها كل مسار للحافلات؛ بهدف تحفيز المشاركين ووضع استراتيجية للمسارات التي تحتاج إلى تحديد، وأعادت الخوارزمية احتساب النقاط المُستحقة لكل خط للحافلات في الوقت الحقيقي.

وقال فوينتيس أنه في حال توافرت عدة مشاركات حول مسار معين، يحصل المسار على عددٍ أقل من النقاط، وبالمثل يرتفع عدد النقاط المُقدمة للأماكن التي تفتقر إلى خرائط أو تحديد لمسارات الحافلات فيها. وعلاوةً على ذلك، سعى الفريق للتأكد من تحديد النقاط الرئيسية للعبور والتنقل باعتبارها تُساعد المواطنين وغيرهم على التجول في المدينة، ومن أجل هذا طوروا خوارزمية تمنح نقاطًا إضافية لمراكز العبور والتقاطعات الرئيسية.

ونظرًا لاعتماد تطبيق “مابثون مكسيكو سيتي” على حشد المصادر والمشاركة الجماعية، شكَّل تباين جودة البيانات التي يُقدمها المستخدمون تحديًا إضافيًا. وقال جيريرو: “المشكلة في حشد المصادر أنك لا تتمكن أبدًا من معرفة الطرف الآخر، لا تعرف نوع الهاتف الذي يستخدمه وجودته”.

وترجع أهمية هذه النقطة إلى تقديم الهواتف مُنخفضة الجودة بيانات للموقع الجغرافي ذات جودة منخفضة، الأمر الذي دفع الفريق لتطوير خوارزمية تُنظم بيانات النظام العالمي لتحديد المواقع الجغرافية، وتجمع بينها مع بيانات الشوارع الموازية التي تتبع المسارات نفسها.

ومن بين الخوارزميات الأخرى اللازمة للتعامل مع المصادر الجماعية للبيانات خوارزمية مسؤولة عن تصويب أسماء الأماكن، وأخرى لاكتشاف السلوكيات الغريبة مثل بدء أحد المستخدمين تحديد مسار الحافلات من مكان بعيد أثناء اللعب بالتطبيق ونحو ذلك.

لكن الخوارزميات لا يُمكنها حل جميع المشكلات، ومنها أن مسارات الحافلات في مكسيكو سيتي ليست ثابتة دائمًا، ويسلك السائقون مسارات مُختلفة أحيانًا لتجنب احتجاجات الشوارع أو ازدحام المرور أو حسب الوجهات التي ينشدها الركاب.

وأوضح إيمانويل هيرنانديز، أحد المُشاركين في المشروع: “لا يتمتع نظامنا دائمًا بالرسمية التي ينبغي أن يتسم بها”. وقال أن السائق أحيانًا ما يسأل الركاب ما إذا كانوا يودون التوقف في محطة معينة، وإذا ما كانت الإجابة بالنفي، قد يُغير المسار المُعتاد للوصول إلى المحطة التالية سريعًا، أو قد يسلك طريقًا آخر بسبب حالة المرور.

واعتمد حل هذه المشكلة على اعتماد مبدأ التكرار؛ ففي حال حدد خمسة أشخاص مسارًا معينًا بين نقطة وأخرى، واختلف أحدهم فقط، يُستبعد المسار المختلف باعتباره التفافًا من السائق.

تطبيق “مابثون مكسيكو سيتي”

أسهمت البيانات التي جُمعت من خلال تطبيق “مابثون مكسيكو سيتي” في تحديد أكثر من ألفي مسار للحافلات في مكسيكو سيتي

بيانات للتخطيط الحضري

من خلال البيانات تم تحديد مسار 2632 رحلة، ومن المُقرر نشر جميع البيانات سواءً في صورتها الخام أو بعد المُعالجة. كما تتضمن الخطة عقد عدة تجمعات للاستفادة من البيانات في إنتاج رسوم وخرائط وتطبيقات للهواتف، بما يجعل من بيانات التطبيق مُتعددة الأبعاد والاستخدامات.

وفضلًا عن فائدة البيانات لمدينة مكسيكو سيتي، تُقدم هذه التجربة والتطبيق مثالًا مفيدًا للكثير من المناطق في العالم النامي حيث يُلبي القطاع الخاص والأنظمة غير الرسمية للمواصلات جانبًا كبيرًا من احتياجات النقل، وربما يكون نموذج “مابثون مكسيكو سيتي” فعّالًا من ناحية التكلفة لرسم خرائط أنظمة مواصلات مُشابهة في أماكن أخرى من العالم، وما يحمله ذلك من فوائد جمّة للتخطيط الحضري، وتوفير بيئة ملائمة لابتكارات ومشروعات ناشئة.

المصدر

مصدر الصور: 1 2 3