قرية ذكية على الطريقة الهندية

طالما آمن غاندي بالقدرات الكامنة في القرية وسكانها، وبأن غرس بذور التنمية المُستدامة فيها ورعايتها هي الخطوة الأولى لتمكين الهند وعبورها لمستقبل مُشرق لصالح جميع سكانها دون استثناء. وأيد غاندي التصنيع والمنافسة واقتصاد السوق، بشرط ألا يتضمن أي استغلال للقرى وسكانها.

والآن مرت سبعة عقود على استقلال الهند، وما تزال بعيدة عن رؤية غاندي لتمكين القرى وسكانها، ولا يزال الجانب القروي للهند حزينًا وبائسًا ومُهمَلًا.

وتُقدِم قرية هاريسال Harisal الصغيرة غربي الهند بوجهيها القديم والحالي نموذجًا لحال القرى في البلاد ومحاولات تطويرها. ولُقبت القرية بعاصمة الفقر وسوء التغذية في الهند، ولم تكن الهواتف الأرضية أو المحمولة تعمل بالقرية، وكانت معدل وفيات المواليد في أعلى مستوياتها، والتسرب من المدارس أمر طبيعي، كما لم تتوافر فيها أماكن لتعليم الأعمال الحرفية.

وفي عام 2014 تبنت حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي مبادرة القرى الذكية، وكانت قرية هاريسال في تلك الفترة أبعد ما تكون عن تصور المبادرة. واليوم، بعد مضي أكثر من عامين، تبدأ إحدى عاملات النسيج في القرية يومها بتشغيل الإنترنت الذي يعمل بتكنولوجيا “وايت فاي” White-Fi -وهي تكنولوجيا تستخدم الحيز الترددي للبث التليفزيوني لتقديم اتصال بالإنترنت منخفض التكلفة. وتستفيد من الإنترنت وبعض التطبيقات وبوابات الدفع الإلكتروني؛ لتسويق منتجاتها من النسيج وبيعها وتوصيلها من خلال خدمات الشحن القروية.

وعلى مدار أكثر من عام تعاونت حكومة ولاية ماهاراشترا، التي تتبعها القرية، مع شركة “مايكروسوفت”، لتطوير إطار عمل وبرنامج مُفصل لتحويل القرى المستهدفة إلى قرى ذكية. وأثمر هذا البرنامج تحول هاريسال إلى أول قرية ذكية في الهند.

ولم يستهدف هذا التعاون إكساب القرى مظهرًا تكنولوجيًا فقط، وإنما سعى إلى تغلغل التكنولوجيا في مفاصل القرى، واستثمارها في حل مشكلاتها بكفاءة وسرعة، ولهذا اشترك في المشروع فريقٌ متنوع يتألف من متخصصين في التكنولوجيا والاجتماع والاقتصاد ومجالات أخرى.

وصحيح أنه لا يزال من المبكر جدًا الاحتفال بالنجاح، لكن ردود الفعل الإيجابية من سكان القرية تُبشر بأن المشروع يمضي في الطريق الصحيح. وبذلت المبادرة جهدًا في سبيل الفهم العميق لمفهوم القرية ذكية، ووَضعت أطُرًا وبرامج عمل يُمكن لحكومات ومؤسسات غير ربحية وحتى القطاع الخاص تطبيقها على نطاقٍ واسع.

واستندت عملية الانتقال الرقمي للقُرى على ثلاث ركائز أساسية:

أولًا:حلول سهلة وغير تقليدية: أي ضرورة البحث الدائم عن حلول تكنولوجية رخيصة وغير تقليدية وسهلة التنفيذ؛ فعند البحث عن طريقة لتوصيل الإنترنت لقرية هاريسال جرى استخدام تكنولوجيا “وايت فاي” في ظل افتقار القرية إلى أية تغطية لشبكات المحمول أو شبكات سلكية أو لاسلكية.

ثانيًا: البنية التحتية للتكنولوجيا: يشهد العالم ثورة تُعيد تشكيل كل شيء من الاقتصاد والتنمية، مرورًا بالصحة والتعليم، وحتى الفن والتسلية. وستعتمد هذه الثورة على البيانات، وخصوصًا أن أكثر من 90% من بيانات العالم نشأت خلال العامين الأخيرين.

ولذلك لن تتمكن القرى الذكية من أداء دورها مستقبلًا دون بنية تحتية قوية لجمع البيانات وتخزينها وتحليلها وإتاحتها بشفافية لتوجية عملية التنمية في كل المجالات، ودراسة الحلول المُتاحة في الحاضر والمستقبل. وعلى المدى الطويل سيعتمد نجاح القرى الذكية أو الدول على أسلوب تعاملها مع البيانات التي تتدفق من الأفراد والمؤسسات العامة والخاصة على حدٍ سواء.

ثالثًا: إنشاء نظام مُستدام: لا يُقاس نجاح الانتقال الرقمي للقرية بالتغلب على مشكلة أو بضع مشاكل، لكن يُقاس بقدرتها على بناء نظام كامل قابل للتطبيق يتمتع بعوامل اقتصادية تدعم استمراره، ونجاحه في التفاعل الصحيح ثقافيًا واجتماعيًا مع محيطه والعالم الأوسع.

وحاليًا يعيش 70% من سكان الهند في القرى، وبالرغم مما يُقال دائمًا عما في الريف من قوى خارقة للتنمية، فلا يزال يستحوذ على النصيب الأكبر من الفقر وتردي الخدمات. ولهذا فإن هذه التجربة لتمكين القرى وسكانها من خلال التكنولوجيا تُمثل خطوةً على الطريق الصحيح في الهند، وأملًا لآلاف القرى وسكانها في الدول النامية والأكثر فقرًا.

المصدر

الصورة