قواعد جديدة للثقة في العصر الرقمي

منذ انطلاق الثورة الصناعية صارت الثقة المؤسسية، أي الثقة في العلاقة بين الأفراد والشركات والمؤسسات، هي المبدأ السائد. وهكذا اطمئن الأفراد أن المؤسسات المالية والإعلامية والجامعات وغيرها من المؤسسات الكبيرة ستضع قواعد مُلزمة، وستضمن الامتثال لها بما يحفظ سلامتهم ويُثمر بضائع وخدمات موثوقة.

لكن خسر هذا الإطار ثقة الكثيرين وقبولهم بسبب الأخطاء والفضائح والقصور ما يُهدد بتداعيه. وبحسب استطلاع للرأي يُجريه مركز “جالوب” في الولايات المتحدة منذ عام 1973 حول ثقة الأمريكيين في عدد من المؤسسات، فقد تراجعت كثيرًا ثقة الجمهور الأمريكي في المؤسسات الكبيرة إلى مستويات منخفضة تاريخية باستثناء الجيش والشركات الصغيرة بحسب استطلاع عام 2015.

ولا يعود تراجع الثقة المؤسسية إلى الشكوك حول بنية المؤسسات وحجمها وسمعة قياداتها، وإنما يعود إلى أنها لم تتشكل من البداية لتُلائم العصر الرقمي. وتتسم الثقة المؤسسية بأنها هرمية ومركزية وتتعامل مع كيانات منعزلة وتنتشر على نطاقٍ واسع ومُوحدة.

وتُناسب الثقة المؤسسية شركات ضخمة وعلامات تجارية شهيرة، لكنها تفقد جدواها عند التعامل مع شركات تعتمد على المشاركة الجماعية والمنصات مثل “أوبر” و“إير بي إن بي” و”إتسي”، وتقوم ثقة الأفراد أو النظراء ببعضهم البعض على سمات تُناقض تمامًا الثقة بالمؤسسات؛ فهي صغيرة وتنطلق من القاعدة إلى القمة وغير مركزية ومفتوحة ومتبادلة وشخصية، ويُقيّم كل طرف الآخر كالضيف وصاحب المسكن في “إير بي إن بي”. وقاد هذا التحول إلى نشأة نماذج أعمال مختلفة كليًا، وتغير جذري في طرق بناء الثقة وخسارتها وإصلاحها سواءً كانت في العلامات التجارية أو القادة أو الأنظمة بأكملها.

أوبر

تغير النمط المعتاد للثقة في المؤسسات في ظل الاقتصاد التشاركي والخدمات المؤقتة وتحولت إلى ثقة بين الأفراد وفي المنصات وآليات التقييم

وفي الوقت الحاضر ينشأ شكلٌ جديد للثقة يُمكنه دفع الشركات والأعمال إلى الأمام، وتيسير العلاقات في عصر الشبكات المُوزعة والأسواق التعاونية. ويُغيّر هذا الشكل الجديد للثقة أفكارًا اجتماعية، ويجعل تأجير منزل لشخص غريب تمامًا وإقراض أشخاص مجهولين عبر منصة اجتماعية للإقراض والتنقل بصحبة غرباء في السيارات لبنات تأسيس شركات تُقدر قيمتها بمليارات الدولارات بدلًا من اعتبارها مخاطرة شخصية.

وتستفيد كلٌ من الشركات الناشئة والعلامات التجارية المعروفة من تغير طبيعة الثقة. وعلى سبيل المثال أطلقت “أمازون” للتجارة الإلكترونية قبل نحو عامين خدمة “فلكس” لتوصيل الطلبات إلى المشترين، وتعتمد على التعهيد الجماعي أو الاستعانة بأشخاص عاديين لا تُوظفهم الشركة بشكل دائم أو يرتدون ملابس تحمل اسم “أمازون” أو يقودون سيارات تحمل العلامة التجارية للشركة.

وبينما يراها البعض محاولة من الشركة للاستفادة من العمالة الرخيصة ضمن اقتصاد التوظيف المؤقت لخفض تكاليف التوصيل، يُمكن اعتبار نموذج التوصيل الجماهيري دلالة على تغير آليات الثقة من علاقة بين “أمازون” وعملائها إلى شبكة أوسع تجمع الشركة والسائقين والمستهلكين.

ومن المُؤكد أن هذا التحول في الثقة سيتسم بالفوضى، وستظهر تعقيدات جديدة حول المخاطر والتمييز والمساءلة، ولن يستلزم فقط أُطر تنظيمية وقانونية جديدة، وإنما أيضًا عقلية تنظيمية مختلفة تصل إلى مسارٍ مناسب. وسيكون هذا المسار ضروريًا بقدر أهمية الثقة لصلات البشر ببعضهم. وربما لا يرجع التغيير الحالي إلى التكنولوجيا بحد ذاتها، بل إلى سماحها بهذا التحول في الثقة من المؤسسات إلى الأفراد.

المصدر

الصور: 1 2