كيف أثرت البيانات الضخمة على مجال الأعمال؟

يكثر الحديث عن البيانات الضخمة وتأثيرها على الشركات بغض النظر عن مجالات عملها وحجمها، وتبدو محاولات الاستفادة من تحليلات البيانات الضخمة عاملًا مشتركًا بين الشركات الكبيرة والناشئة، كما فتحت مجال عمل جديد كليًا أمام مشروعات تُساعد الشركات والحكومات في تنظيم البيانات وتحليلها، بحسب ما تناول بيتر فام في مقال في مجلة “فوربس”.

تغيير ثوري في القطاعات التقليدية

لا يقتصر تأثير البيانات الضخمة على شركات التكنولوجيا بل امتد مبكرًا إلى العديد من القطاعات التقليدية من خدمة المستهلكين إلى عمليات التوريد في المصانع، وتُقدم شركة “كابيتال وان” مثالًا على ذلك، وخلال التسعينات من القرن العشرين اعتمد مجال البطاقات الائتمانية سياسة موحدة للتسعير تفرض على جميع المستهلكين التكلفة نفسها باستثناء “كابيتال وان”.

واستعانت الشركة بنموذج إحصائي يعتمد على البيانات الديموغرافية والائتمانية العامة، ووفرت للمستهلكين منتجات مصممة خصيصًا بحسب ظروفهم. ولعب هذا الابتكار دورًا محوريًا في تحقيقها معدل نمو سنوي مركب يبلغ 32% في صافي العائدات بين عاميّ 1994 و2003. ولاحقًا اتجهت العديد من المصارف الكبرى لتحليلات البيانات الضخمة، لكن كان للسبق ميزته، واحتفظ الرواد بتفوقهم.

وقدمت شركة “رولز رويس” مثالًا آخر على الاستفادة من تحليلات البيانات الضخمة للتفوق في مجال تصنيع محركات الطائرات. وتُتابع الشركة باستمرار عمل ما يقرب من 3700 محرك، زودت كلًا منها بالمئات من أجهزة الاستشعار للتنبؤ بالأعطال المُحتملة. وتحولت “رولز رويس” من بيع محركات الطائرات إلى توفير خدمات للمتابعة وتحصيل الأموال من عملاءها، وتُشكل الخدمة حاليًا ما يزيد عن 70% من دخلها السنوي من قسم محركات الطائرات.

وفي مجال تجارة التجزئة، تستخدم حاليًا متاجر “وولمارت” الأمريكية تحليلات البيانات الضخمة، لكنها اعتمدت عليها في التسعينات من القرن العشرين لتغيير مجال تجارة التجزئة، وسجلت بيانات المنتجات ضمن نظام يحمل اسم “ريتيل لينك” Retail Link.

وسمح النظام للموردين بإدارة منتجاتهم ومتابعة المبيعات وحجم المخزون وهامش الربح وقيمة المبيعات، ما أتاح الحد من مخاطر تزايد المخزون والتكاليف المرتبطة بذلك. وأدى التراجع الكبير في التكاليف وارتفاع مستوى الكفاءة في “وولمارت” إلى زيادة إنتاجية قطاع تجارة التجزئة خلال الفترة من عام 1995 إلى 2000 بأكمله، بحسب تقرير الإنتاجية العالمية من شركة “ماكينزي” للاستشارات في عام 2001.

ميلاد مجال جديد

من الناحية التاريخية لعبت البيانات دورًا مساندًا للأعمال الأساسية، وغالبًا ما استهدف تسجيلها أغراض محددة مثل تسجيل تجار التجزئة للمبيعات لغايات ترتبط بالمحاسبة، ومتابعة المصانع للمواد الخام لإدارة الجودة، وحساب شعبية الإعلانات في مواقع الإنترنت وعائداتها من خلال متابعة عدد النقرات.

لكن في الوقت الراهن لم تعد البيانات تخدم أهدافها الأولى فقط، بل صار القدر الضخم من البيانات أحد أهم أصوال الشركات ولاسيما إذا ما اجتمعت مع المهارات التحليلية، وهو ما أنشأ مجالًا جديدًا تمامًا. وتُعد شركة “آي تي أيه” ITA Software مثالًا على ذلك.

وعملت الشركة، منذ تأسيسها في عام 1996، على جمع أسعار رحلات الطيران من جميع شركات الخطوط الجوية تقريبًا، وبعد استحواذ “جوجل” عليها في عام 2011 مُقابل 700 مليون دولار، أُضيفت إليها خبرة “جوجل” في تحليل من البيانات، وحاليًا تُقدم اقتراحات لأسعار رحلات الطيران والفنادق والتسوق وغيرها.

وأسهم نجاح شركات مثل “آي تي أيه” في ازدهار شركات ناشئة تعمل أساسًا في مجال البيانات الضخمة. ووفقًا لموقع “أنجل كو” angel.co، تأسست 2924 شركة ناشئة في قطاع البيانات الضخمة منذ شهر نوفمبر/كانون الأول من عام 2010 وحتى الآن.

وتعمل الكثير من هذه الشركات في التحليلات وتوفير البيانات وتبادلها، وتلفت انتباه المستثمرين وأموالهم. وفي الربع الثاني من العام الحالي، وصلت استثمارات رأس المال المخاطر في الولايات المتحدة في الشركات الناشئة المتخصصة في البيانات الضخمة إلى 19.9 مليار دولار.

ويبرز مثال آخر على نجاح هذا القطاع من الشراكة الاستراتيجية التي وقعتها العام الماضي “آي بي إم” و”تويتر”، وبموجبها تُحلل “آي بي إم” بيانات مليارات التغريدات التي يتبادلها مستخدمو “تويتر” إلى جانب بيانات من مصادر أخرى عامة وتجارية لتُقدم تحليلاتها لعملاءها من الشركات.

منافع للشركات الكبيرة والصغيرة

بطبيعة الحال تتمتع الشركات التي تمتلك قدرًا ضخمًا من البيانات بوضع أفضل من غيرها، وبالتالي ستُواصل أكبر شركات التكنولوجيا مثل “جوجل” و”أمازون” الاستفادة من حجم البيانات الضخم لكلٍ منهما. ويقترب عدد مستخدمي “أمازون” من 270 مليون شخص في 185 بلدًا.

وتصل عدد عمليات البحث الشهرية في “جوجل” إلى ما يقرب من 12 تريليون (ألف مليار) عملية، وتُسيطر على سوق محركات البحث عالميًا بنسبة نحو 90%، إلى جانب مئات الملايين من مستخدمي خدماتها مثل “يوتيوب” و”أندرويد”.

لكن هذا لا يعني إغلاق المجال أمام المؤسسات الأصغر حجمًا، وعلى العكس تُتيح البيانات الضخمة بعض الفرص المتساوية؛ بفضل التطور المُتلاحق في المعالجات ووسائل تخزين البيانات وبلوغه مرحلة تسمح للشركات بالاحتفاظ بالمعلومات وتوظيفها بتكلفة منخفضة، كما يُمكنها الحصول على بيانات من خلال وسطاء البيانات والاستعانة بخدمة شركات أخرى لإجراء التحليل بتكلفة ميسورة.

وعلى سبيل المثال، تعتمد شركة “ريفيرا بارتنرز” Riviera Partners لخدمات التوظيف على تحليل البيانات الشخصية للمرشحين للوظائف ومزجها مع مصادر عامة للبيانات، واختيار المهارات الأكثر ملاءمة من بينها، وتوجيهها إلى الوظائف المناسبة. وفضلًا عن الشركات القائمة والكبيرة، تستفيد المشروعات الجديدة من البيانات الضخمة في التعلم وتطوير عملها بمعدل أسرع.

وفي الواقع تتنوع إمكانات الاستفادة من البيانات الضخمة لدرجة يحدها الخيال البشري وحده؛ فتفيد مصانع السيارات في تحسين الكفاءة التشغيلية، والمستشفيات في تحسين الخدمات المُقدمة للمرضى، وسلاسل المطاعم في إدارة طلبات التوصيل بشكلس أكثر كفاءة. ويُؤمن التوظيف الناجح للبيانات الضخمة ميزة تنافسية للشركات، وهو ما يظهر في تقييم قيمة الشركات وأصولها من البيانات وقدراتها في التحليل.

مصدر الصورة