كيف أوصلت العاصمة الكينية نيروبي شبكة حافلاتها الصغيرة إلى “خرائط جوجل”؟

تموج شوارع العاصمة الكينية نيروبي بآلاف من حافلات نقل الركاب الصغيرة التي تُعرف محليًا باسم “متاتو”، وتشتهر بألوانها الصارخة والموسيقى العالية التي تصدح منها ونمط القيادة السريع لدرجة التهور، وسط اختناقات مرورية متكررة في مدينة يفوق عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة.

ويعتمد سبعين بالمائة من سكان نيروبي على حافلات “متاتو” Matatu في تنقلاتهم. وعلى الرغم من سدها فجوة  كبيرة في نظام المواصلات العامة، إلا أنها تُعاني من الفوضى، وتخضع بشكل شبه كامل لملكيات خاصة، ما يعني تقلب المواعيد وأجرة الركوب، فضلًا عن صعوبة ضمان الركاب توقفها في المحطات التي يريدونها.

وفي ظل هذا الوضع، تتضح مدى استفادة سكان المدينة وتوفيرهم للوقت والمال حال عرفوا مبكرًا وجهة كل حافلة ومسارها التفصيلي، وتتجاوز هذه المنافع الأفراد إلى المؤسسات الحكومية المسؤولة عن التخطيط لمشروعات النقل التي يصعب نجاحها حال تجاهلت مسارات “متاتو” والمحطات غير الرسمية التي تتوقف فيها.

وأثبت توافر خريطة لنظام النقل لحافلات “متاتو” فوائده بالفعل بعد اكتمال مشروع “ديجيتال متاتو” Digital Matatus الذي نجح في إضافة الشبكة المعقدة لمسارات الحافلات الصغيرة إلى “خرائط جوجل”، واعتمدت عليها تطبيقات للهواتف المحمولة لإرشاد الركاب على غرار خرائط شبكات القطارات والحافلات الرسمية، وعمومًا سلطت التجربة الضوء على كيفية توظيف الهواتف المحمولة في الدول النامية وقوة البيانات المفتوحة.

وتعاون لإنجاز مشروع “ديجيتال متاتو” باحثون من “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” و”جامعة كولومبيا” في الولايات المتحدة الأمريكية و”جامعة نيروبي”، وشركة “جروبشوت” Groupshot للتصميم. وأطلق الفريق خريطة مسارات “متاتو” العام الماضي، وبالأمس صارت أول شبكة غير رسمية للمواصلات تتوافر ضمن خدمة “خرائط جوجل”. واعتبرت “جوجل” المبادرة جزءًا من مهمتها لجعل “خرائط جوجل” أكثر شمولًا ودقة ونفعًا لملايين الأشخاص في مختلف أرجاء العالم.

وفي البدء كانت مرحلة جمع المعلومات عن مسارات الحافلات، ووفرت السجلات الحكومية بعض البيانات عن حافلات “متاتو”، لكنها اكتفت بتسجيل نقطتيّ البداية والنهاية في نسبة خمسة وسبعين بالمائة من المسارات، ما جعل من المستحيل معرفة المحطات التي تتوقف فيها الحافلات والطرق التي تسلكها.

وهنا استعان المشروع بالهواتف الذكية، وأمضى فريق يتألف من عشرة من طلاب الجامعات أربعة أشهر في ركوب حافلات “متاتو”، وتسجيل مختلف المواقع والطرق التي تسلكها من خلال تطبيق صُمم خصيصًا لهذا الغرض، واستخدموا خاصية تحديد المواقع الجغرافية لتتبع مساراتها. وفي حالة ارتياد الحافلات لأحياءٍ خطيرة، تتبعها الطلاب في سيارات خاصة.

وفي نهاية المطاف، سجل الطلاب ما يقرب من ثلاثة آلاف محطة فيما يزيد عن مائة وثلاثين مسار. وانتقل المشروع إلى المرحلة التالية التي تستلزم تحويل جميع هذه البيانات إلى شكل قابل للاستخدام، وبالتحديد معيار عالمي يُعرف باسم General Transit Feed Specification أو “GTFS”، ويتوافق مع تطبيقات مثل “خرائط جوجل”.

لكن هذه الصيغة، التي يرجع تاريخ تطويرها إلى عام 2005، صُممت أساسًا لتُناسب الأنظمة الرسمية للنقل التي تتمتع بمواعيد ثابتة، ما دفع “ديجيتال متاتو” للتواصل مع “خرائط جوجل” التي وافقت على تحديث الصيغة؛ لإفساح المجال لعرض شبكات النقل المرنة التي تشهد تغيرًا مُستمرًا في المسارات والمحطات.

خريطة مسارات حافلات "متاتو" في نيروبي

أصدر مشروع “ديجيتال متاتو” خريطة لمسارات حافلات “متاتو” في نيروبي

ووفرت نيروبي ساحة اختبار مثالية لهذا التحديث، وقالت مندوبة “جوجل”، مارا هاريس: “في إطار سعينا لتوسيع نطاق المواصلات العامة في (خرائط جوجل)، كانت مكانًا جيدًا للانطلاق إلى المرحلة التالية؛ نظرًا لحرص الناس واستعداهم للعمل”.

واتجه فريق “ديجيتال متاتو” إلى العرض البصري لنظام الحافلات في خريطة واحدة، ما أسفر عن كتلة قريبة الشبه بالشبكات العصبية، تضم الكثير من المسارات والألوان المتداخلة. وسعى المصممون من “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” لفصل هذه الفوضى وتنظيمها في خريطة تُضاهي خرائط قطارات الأنفاق.

ومنح المصممون لونًا مختلفًا لكل طريق أساسي يمر عبر وسط المدينة، وأحيطت الخريطة بمعالم نيروبي الشهيرة. وبعد ما يزيد قليلًا عن العام، أطلق المشروع خريطة ورقية لمسارات حافلات “متاتو” في نيروبي وبيانات تحديد المواقع الجغرافية مجانًا في يناير/كانون الثاني من عام 2014.

وبعدها قرر مسؤولو المدينة اعتمادها خريطة رسمية للنقل، واستعانوا بها لإرشادهم في التخطيط لمشروعات النقل المُقبلة. وعلى الرغم من الاختناقات المرورية وفوضى المواعيد، تكمن قوة نظام عملي مثل حافلات “متاتو” في قدرته بمُضي الوقت وفي ظل أسلوب قيادة الحافلات القائم على التجربة في التوصل إلى مسارات جديدة أكثر فاعلية.

ورحب المجتمع المزدهر للتكنولوجيا والشركات الناشئة في نيروبي بالمشروع، ما ظهر في إصدار خمسة تطبيقات لرحلات الحافلات للهواتف الذكية والعادية، بالإضافة إلى تطبيق لحساب الأجرة الفعلية في محاولة لمواجهة تقلبات الأسعار. واستفاد من خريطة حافلات “متاتو” سائقوها في التخطيط لمسارات جديدة تخدم مناطق لا تحظى بخدمة كافية، وفي البحث عن مسارات بديلة لتجنب مناطق ازدحام المرور.

وتفاعل السكان مع خريطة الحافلات، التي يُمكن تنزيلها من الإنترنت، ونشرتها الصحف الكينية عدة مرات. واندهش كثيرون من وجود كل هذا العدد من مسارات الحافلات على الخريطة، ما أرشدهم إلى دروب تسلكها الحافلات لبلوغ وجهاتهم، دون أن يعرفوا من قبل بوجودها. كما أبدت الكثير من النساء ملاحظات بشأن فائدة خرائط الحافلات في تأكدهم من ركوبهم الحافلة الصحيحة.

وتلفت إتاحة مسارات حافلات “متاتو” في “خرائط جوجل” إلى الحاجة الماسة لدراسة شبكات النقل غير الرسمية التي تُمثل وسيلة المواصلات الرئيسة لأعداد كبيرة من السكان في الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى، وبلدان جنوب وجنوب شرق آسيا.

ويُسهِم توافر بنية “GTFS” وبيانات مشروع نيروبي بشكل مفتوح المصدر في توجيه طموحات مشابهة في مكسيكو سيتي ومانيلا ودكا والصين وغيرها فيما يتعلق بجمع بيانات النقل ونشرها. وتلقى مشروع “ديجيتال متاتو” طلبات من أنحاء مختلفة من العالم للمساعدة في رسم خرائط المدن.

ويخوض مشروع “ديجيتال متاتو” محادثات مع أربع مدن في أفريقيا، تشمل كمبالا وأكرا ولوساكا ومابوتو، لاستخدام الوسائل نفسها لرسم خرائط لأنظمة المواصلات غير الرسمية.

ولفت روبرت سيرفيرو، أستاذ الهندسة المدنية والتخطيط الإقليمي في “جامعة كاليفورنيا، بيركلي”، إلى ارتباط الكثير من المشكلات في مدن العالم النامي، التي تشهد فقرًا مدقعًا وظروفًا بيئية مريعة، بقطاع المواصلات بشكلٍ ما. وقال: “إنه فوضوي جدًا، ولا يخضع للإدارة، لذلك تُعد هذه خطوة أولى مُهمة تجاه تعزيز تلك الخدمات”.

وحتى الآن، يُواصل سكان نيروبي استخدام الخريطة الأولى لحافلات “متاتو”؛ نظرًا لعدم تغيرها منذ صدورها. ويكمن الهدف النهائي في توفير نظام رسمي للنقل يتضمن خرائط ومواعيد ثابتة ويُنظم الأسعار، دون أن يسلب حافلات “متاتو” طرازها المميز وأسلوبها الصاخب.

المصدر