كيف استخدمت برشلونة إنترنت الأشياء لبناء مدينة ذكية؟

يومًا بعد آخر يتزايد إدراك مُدن العالم للإمكانات الضخمة لتقنيات إنترنت الأشياء في تحسين كفاءة أعمالها وتيسير حياة السكان، وفي مدينة برشلونة الأسبانية تحول الكثير من هذه الاحتمالات والآمال إلى جزءٍ من الواقع اليومي.

ومنذ عام 2012 أتاحت المدينة تقنيات مُتجاوبة في مختلف الأنظمة الحضرية من النقل إلى الإنارة في الشوارع والمياه والطاقة وإدارة المخلفات. وقادت هذه الابتكارات إلى توفير في الميزانية، وتحسين نوعية حياة السكان والزوار، فضلًا عن تحول برشلونة إلى مركزٍ بارز للشركات الناشئة في قطاع إنترنت الأشياء، بحسب ما كتبت لورا أدلر في مقال بعنوان “كيف بثت مدينة برشلونة الذكية الحياة في إنترنت الأشياء؟”.

كانت أسبانيا من أكثر دول العالم تضررًا من الركود الاقتصادي في عام 2008، وكان التعافي الأوروبي من الأزمة المالية بطيئًا. وفي مواجهة هذه التحديات الاقتصادية وظفت برشلونة التكنولوجيا لإنشاء نظم حضرية ذكية تعتمد على أجهزة الاستشعار وتحليل البيانات. واهتم عمدة المدينة بين عامي 2011 و2015، كزافييه ترياس، ببناء خدمات المدينة اعتمادًا على الابتكار التكنولوجي.

وبعد توليه منصبه شكل ترياس فريقًا يحمل اسم “سمارت سيتي برشلونة” Smart City Barcelona لتولي مهمة دمج المشروعات القائمة، والتعرف على فرص جديدة لتحسين الخدمات للسكان والشركات. وحدد الفريق اثنى عشر مجالًا للتدخل تشمل النقل والمياه والطاقة والنفايات والحكومة المفتوحة، وأطلق اثنين وعشرين برنامجًا، تشمل ثلاثة وثمانين مشروعًا مُتميزًا للنظم الحضرية.

الألياف الضوئية العمود الفقري لإنترنت الأشياء

حين أطلقت برشلونة برنامجها لإنترنت الأشياء اعتمدت على أساسٍ قوي يتمثل في خمسمائة كيلومتر من كابلات الألياف الضوئية المُمتدة عبر المدينة، وبدأ هذا المشروع قبل ثلاثين عامًا حين ربطت برشلونة مُبكرًا بين مبنيين حكوميين بواسطة تكنولوجيا الألياف الضوئية.

وفي الوقت الراهن تُوفر شبكة الألياف الضوئية 90% من تغطية الألياف الضوئية للمنازل، وتُمثل العمود الفقري للأنظمة المُتكاملة في المدينة، كما تُعتبر الرابط المُباشر بالإنترنت لسكان برشلونة وزوارها.

وتعتمد برشلونة على بنيتها التحتية من الألياف الضوئية لتوفير الاتصال اللاسلكي بالإنترنت “واي فاي” عبر مختلف أرجائها. ومنذ عام 2013 ارتفعت عدد نقاط “واي فاي” بنسبة 62% ليصل إلى 670 نقطة اتصال في مسافة أقصاها مائة متر بين مكان وآخر، وتضاعف عدد مستخدمي “واي فاي”.

شبكة إنترنت الأشياء: النقل والنفايات والمياه والحدائق والإنارة

استفادت برشلونة من شبكتها الواسعة للألياف الضوئية في تأسيس شبكة إنترنت الأشياء للخدمات الحضرية. ومن أجل تحسين كفاءة استهلاك الطاقة وفرت المدينة 19500 عداد ذكي لمراقبة استهلاك الطاقة وتحسينه في عددٍ من المناطق المُستهدفة.

وفي مجال إدارة النفايات تتجه مُخلفات المنازل إلى صناديق قمامة ذكية تتبع المدينة، وزُودت الصناديق بأجهزة استشعار لمُراقبة مستوى النفايات فيها من أجل تحسين مسارات شاحنات جمع النفايات، كما وُضعت خطط لتطوير سُبل الاستفادة من أجهزة الاستشعار في رصد المواد الخطيرة والضارة في النفايات.

وفيما يتعلق بالنقل، سعت برشلونة إلى تنفيذ استراتيجية مُتعددة الوسائط؛ فبينما طورت استخدام السيارات الكهربائية وبرامج مُشاركة الدراجات، استثمرت في الوقت نفسه في تحسين أنظمة الحافلات وانتظار السيارات. وحولت محطات رقمية جديدة للحافلات انتظار السكان والزوار للحافلات إلى تجربة تفاعلية من خلال توفير تحديثات حول موقع الحافلة، ومحطات لشحن الأجهزة الإلكترونية عبر منافذ “يو إس بي”، وواي فاي، وتطبيقات لمساعدة الزوار على معرفة المزيد حول المدينة.

وأتاحت برشلونة نظامًا لإرشاد السائقين حول المواقع الشاغرة المُتاحة لانتظار السيارات. ويُمكن لأجهزة الاستشعار المُثبتة في أسفلت الطرق تحديد انشغال موقع معين للانتظار بالسيارات، وبالتالي تُوجه السائقين إلى المساحات الخالية.

وأسهم البرنامج في تقليل الازدحام وانبعاثات الغازات. ويستخدم السائقون تطبيق “أبارك بي” ApparkB لمعرفة أماكن الانتظار المُتاحة، ويسمح التطبيق أيضًا بدفع رسوم الانتظار عبر الإنترنت. وفي غضون عام من تنفيذ البرنامج، أصدرت برشلونة أربعة آلاف تصريح انتظار للسيارات يوميًا من خلال التطبيق.

وتُتابع برشلونة مساعيها لتطوير نظم الإنارة في الشوارع من خلال “المُخطط الرئيسي للإنارة في برشلونة” Barcelona Lighting Masterplan الذي نُشر في عام 2012، ويُوظف تقنيات ذكية من أجل تحسين كفاءة أعمدة الإنارة وفوائدها.

وبحلول عام 2014 تحول أكثر من 1100 من أعمدة الإنارة في شوارع برشلونة إلى استخدام مصابيح “ليد” ما قلل من استهلاكها للطاقة. وتتوافر الأعمدة على أجهزة استشعار لعدد المشاة للتعرف على مدى ازدحام المسافة القريبة من عمود الإنارة بالمشاة، ويخفت مستوى الإضاءة تدريجيًا تبعًا لعدد المشاة، ما أسهم في تعزيز المحافظة على الطاقة.

وتُمثل أعمدة الإنارة جزءًا من شبكة “واي فاي” في المدينة تُوفر وصولًا مجانيًا ومُتواصلًا للإنترنت عبر المدينة. كما تجمع أجهزة الاستشعار في أعمدة الإنارة بيانات حول جودة الهواء وتنقلها إلى مؤسسات المدينة والجمهور. وأثمرت هذه التحسينات توفيرًا بنسبة 30% في الطاقة عبر نظم الإضاءة في المناطق الحضرية.

وأسهمت تقنيات إنترنت الأشياء أيضًا في تحقيق مستوى أعلى من الكفاءة في حدائق برشلونة من خلال الاستشعار عن بُعد والتحكم في الري في الحدائق ومستويات المياه في النوافير العامة. ويستعين المسؤولون عن الري في الحدائق بأجهزة استشعار تُتابع مستويات الأمطار والرطوبة، ويُحددون اعتمادًا على بياناتها مقدار المياه اللازم لكل منطقة.

ويستخدم نظام الري شبكة من الصمامات الإلكترونية التي يتم التحكم بها عن بُعد من أجل توفير المياه اللازمة. ويُطبق البرنامج في 68% من الحدائق العامة في برشلونة، وساعد المدينة في زيادة مُحافظتها على المياه بنسبة 25%، وتوفير ما يقرب من 555 ألف دولار سنويًا.

وتُشكل هذه الأنظمة معًا “شبكة الشبكات” تُنتج بيانات تستعين بها المؤسسات الحكومية في برشلونة لتحسين عملها، كما يستفيد منها مواطنو المدينة لفهم بيئتهم المحلية على نحوٍ أفضل.

وتنقل شبكة الاستشعار المُتكاملة في برشلونة البيانات من خلال منصة “سنتيلو” Sentilo التي طُورت خصيصًا للمدينة، لكنها تُتوافر الآن بشكلٍ مفتوح المصدر ويُمكن للحكومات الأخرى استخدامها. وتُيسر “سنتيلو” إدارة البيانات ومُشاركتها مع مواطني برشلونة والعاملين فيها. وأتاحت المدينة أربعة وأربعين كشكًا تُمكن السكان من الحصول على معلومات وخدمات والتقدم بطلباتهم إلى الحكومة.

وفي الواقع أثمرت هذه التحسينات توفير المال والتقليل من استهلاك المياه والطاقة في برشلونة، وتُقدر المدينة إسهام أنظمة إنترنت الأشياء في توفير 58 مليون دولار في استهلاك المياه، وزيادة عائدات انتظار السيارات بمبلغ خمسين مليون دولار في العام، وتوفير 47 ألف وظيفة جديدة، كما وفرت أنظمة الإنارة الذكية 37 مليون دولار سنويًا.

دعم التكنولوجيا المحلية لتطوير شبكة إنترنت الأشياء

ضمن سعي برشلونة لتوظيف إمكانات إنترنت الأشياء عملت على تقوية قطاع التكنولوجيا فيها. وطورت المدينة بتمويل عام بلغ 320 مليون دولار منطقة صناعية سابقة، وحولتها إلى “22 آت برشلونة” Barcelona@22 كمنطقة للابتكار تضم مقرات الشركات الناشئة.

وتستفيد الشركات الناشئة من البيانات العامة المُتاحة لتطوير تطبيقات جديدة وتقنيات إنترنت الأشياء. ومن هذه الشركات “ذا ثينجز” thethings.io التي تسعى للتحول إلى المُزود الرئيسي للخدمات في عالم إنترنت الإشياء.

وبالفعل بدأت بعض المشروعات محلية النشأة في “22 آت برشلونة” تلقى نجاحًا عمليًا، ومنها “وورلد سينسنج” Worldsensing التي طورت أداة استشعار “فاستبرك” Fastprk لانتظار السيارات، ويُمكن للمدن استخدام الأداة لتنظيم عمليات انتظار السيارات.

واختبرت مدينة برشلونة استخدام “فستبرك” في منطقة “22 آت برشلونة”، الأمر الذي ساعد في تطوير المنتج وسط ظروف العالم الحقيقي. وعلى الرغم من اختيار برشلونة أداةً أخرى للاستخدام على نطاقٍ واسع، إلا أن “فستبرك” لقيت رواجًا في مكان آخر، وحصلت العاصمة الروسية موسكو على أكثر من عشرة آلاف وحدة منها.

وبالإضافة إلى دورها في دعم الشركات المحلية تلعب “22 آت برشلونة” دورًا في اجتذاب الاستشمارات الخاصة. وأعلنت شركة “سيسكو” الأمريكية لمُعدات الشبكات عن خططها لاستثمار ثلاثين مليون دولار في تأسيس مركز جديد لإنترنت كل شيء Internet of Everything فيها، ويُمثل هذا ثالث مراكز “سيسكو” للابتكار في “إنترنت كل شيء” بعد البرازيل وكوريا الجنوبية، الأمر الذي يُرسخ مكانة برشلونة كمركز للابتكار في قارة أوروبا.

ومن خلال الاستثمار في إنترنت الأشياء جمعت برشلونة بين منافع مختلفة تتنوع بين الحد من ازدحام المرور والانبعاثات الضارة، والتوفير في تكاليف المياه والطاقة، والتنمية الاقتصادية، ما يعني أن التزام المدينة بإنشاء بنية تحتية حضرية ذكية حسَّن عمل حكومتها، ونوعية الحياة المُتاحة لسكانها وزاورها والعاملين فيها.

مصدر الصورة