كيف استفادت شيكاغو من تحليل البيانات لتحسين عمليات التفتيش على الأغذية؟

قدمت مدينة شيكاغو في ولاية إلينوي الأمريكية مثالًا على الاستفادة من أدوات التحليلات المُتقدمة في تحسين الأعمال اليومية في المدينة، بالاستعانة بالأدوات مفتوحة المصدر والبيانات التي تجمعها الإدارات الحكومية.

وكان المثال الأحدث لذلك تطوير “إدارة الابتكار والتكنولوجيا” في شيكاغو أداةً للتنبؤ بعمليات التفتيش على المطاعم وغيرها من المنشآت التي تُقدم الأغذية، واستهدفت تحسين التفتيش على المنشآت الغذائية، وأدت بالفعل إلى سرعة اكتشاف الانتهاكات الخطيرة قبل سبعة أيام مُقارنةً مع الأساليب التقليدية للتفتيش، بحسب ما تناول مقال بعنوان “من الخوارزمية إلى العمل: كيف استخدمت شيكاغو التحليل التنبؤي للتفتيش على الأغذية”.

وتتضح أهمية الأداة والتحليلات التنبؤية بالنظر إلى وجود 15 ألف منشأة غذائية في شيكاغو، في مُقابل غياب العدد الكافي من مفتشي الأغذية، وتبلغ النسبة مفتش واحد لما يقرب من 470 منشأة. وجمع التطبيق بيانات عن المنشآت وسماتها بالإضافة إلى تفاصيل مائة ألف عملية تفتيش وشكاوى، ليُحدد بناءً عليها المنشآت الغذائية التي يُرجح إقدامها على مخالفات خطيرة، وبالتالي من المُهم أن يتوجه إليها المفتشون قبل غيرها.

ولم تقتصر التجربة على تطوير نموذج ناجح بل بلغت المرحلة الأهم بالنسبة لأي مشروع للتحليلات المُتقدمة؛ أي دمج النموذج في العمل اليومي العادي. وحاليًا يستخدم مسؤولو التفتيش على المُنشآت الغذائية الأداة الجديدة بانتظام.

وتُسلط هذه التجربة الضوء على كيفية التعاون بين الإدارات الحكومية المختلفة لتطوير منتج نهائي مُناسب، وهي مُمارسة تنتشر في عالم الشركات الناشئة أكثر منها في الحكومات المحلية. وبالتالي كان تطوير تطبيق يُساعد المُفتشين على الأغذية تجربةً للتعلم، وفرصة لدراسة سُبل تطبيق التحليلات المُتقدمة في العمليات الحكومية؛ فبينما يعمل مفتشو الأغذية في “إدارة الصحة العامة” في مجال الصحة وقوانين سلامة الغذاء، تعنى “إدارة الابتكار والتكنولوجيا” بعلوم البيانات والتحليلات المُتقدمة.

بداية المشروع:

تعود بداية المشروع إلى عام 2014 حين بدأت النقاشات بين “إدارة الابتكار والتكنولوجيا” و”إدارة الصحة العامة” في شيكاغو بشأن كيفية التعاون في برنامج التحليلات في المدينة، وكانت “إدارة الابتكار والتكنولوجيا” قد أسست منصة “سمارت داتا” SmartData Platform مفتوحة المصدر للتحليلات التنبؤية.

ورأت “إدارة الصحة العامة” إلى جانب الرئيس التنفيذي للبيانات في شيكاغو، توم شينك، إمكانية الاستفادة من التحليلات لتحسين عمليات التفتيش على المنشآت الغذائية. وبدأ العمل بالفعل بالتعاون مع جهات منها شركة “ألستيت إنشورنس” Allstate Insurance للتأمين، ومنظمة “التحالف الاستشاري المدني” Civic Consulting Alliance المحلية المهتمة بتنسيق التعاون بين المؤسسات الحكومية والخاصة.

وفي وقتٍ سابق من عام 2014 شغلت جيرين بتلر منصب مُديرة خدمات حماية الغذاء ضمن “إدارة الصحة العامة”، ولم يكن النقاش حول استخدام تحليلات البيانات والخوارزميات لتطوير عمليات التفتيش على الأغذية ضمن أولوياتها التي انصبت على قيادة مجهودات ضمان سلامة الغذاء في المدينة، وقالت: “حين عرفت للمرة الأولى بخطط توم (شينك) للتنبؤ بالمخالفات فكرت: كيف سيفعلون ذلك؟ كيف سيعمل الأمر؟ هذا سخيف”.

لكن تغيرت رؤية بتلر بعدما اطلعت على إسهام “إدارة الابتكار والتكنولوجيا” باستخدام تحليل البيانات في زيادة إنتاجية العاملين في “إدارة الشوارع والصرف الصحي”، وبالتالي تحسين كفاءة عملية مُكافحة القوارض في شيكاغو.

تواصل فريق العمل:

مع بداية العمل، تصورت بتلر الأداة المرجوة تطبيقًا يُحدد لمُستخدميه على نحوٍ أفضل أي مؤسسات الأغذية التي يُرجح ارتكابها انتهاكات خطيرة أكثر من غيرها، الأمر الذي يُتيح لها ولفرق المفتشين استغلال أفضل للطاقات والموارد، ما يقود في نهاية المطاف إلى تحسين مستوى الأمن الغذائي وزيادة الكفاءة.

ويتطلب تحقيق هذا الغرض تعرف كل طرف، أي مسؤولي حماية الأغذية من جانب والمختصين في تحليل البيانات من جانبٍ آخر، على طبيعة عمل الطرف الآخر وأولوياته.

وبدأت بتلر بإطلاع فريق “إدارة الابتكار والتكنولوجيا” على سير العمل في قسم خدمات حماية الأغذية. وبالمثل شرحت “إدارة الابتكار والتكنولوجيا” أي معلومات سلامة الغذاءء ستُفيد في تطوير التطبيق، وكيفية تحويلها إلى مُنتج مفيد.

وتجلى في هذه المرحلة تباين التخصصات والاهتمامات. وقالت بتلر: “حين ناقشنا ممارسات الأعمال لدينا مع (إدارة الابتكار والتكنولوجيا)، بدا الأمر أحيانًا كما لو كنا نتحدث لغتين مُختلفتين”، وأضافت: “لا تزال الكثير من طرقنا تعتمد على أساليب تعود إلى ما قبل العصر الرقمي، الأمر الذي شكل مفاجأةً لكثيرين”.

ومن أجل ضمان أن تكون النقاشات مُثمرة، اعتمد شينك وفريقه نهجًا مرنًا مُتكيفًا في تطوير البرمجيات، وتضمن ذلك تنظيم اجتماعات دورية بين “إدارة الابتكار والتكنولوجيا” والمسؤولين عن سلامة الأغذية، والسعي لإنجاز أهداف قصيرة المدى، الأمر الذي يُوفر المرونة اللازمة لتطوير تطبيق يتمتع بالكفاءة على المدى الطويل.

وبعد مُضي عدة أشهر من العمل توصلت “إدارة الابتكار والتكنولوجيا” و”إدارة الصحة العامة” في شيكاغو إلى تطبيق يُلبي احتياجات الطرفين. ويسمح للموظفين بالبحث عن 15 ألف منشأة تُقدم الأغذية بحسب الاسم، والعنوان، ورقم الترخيص، والدرجة المُتوقعة للالتزام.

ومن خلال هذه المعلومات يُمكن تحديد أولويات مفتشي الأغذية بشأن اختيار أي المنشآت يزورونها أولًا. وأثبت التطبيق فاعليته في اكتشاف المخالفات الخطيرة قبل سبعة أيام في المتوسط مُقابل الطرق التقليدية لتنظيم التفتيش.

دروس مُستفادة:

وبينما نجح تطوير تطبيق التفتيش على الأغذية، إلا أن خطوات العمل لم تكن سهلة دائمًا، وخلال المراحل المختلفة للتخطيط والتنفيذ تعلم الفريق عدة دروس قد تهم فرق العمل الحكومية الأخرى أثناء تعاونها في إنجاز مشروعات مُشتركة، ويُمكن تلخيصها في النقاط التالية:

أولًا: الأهمية البالغة للتواصل الفعّال:

اشترك أشخاص من تخصصات وقطاعات مُتباينة في تطوير أداة للتنبؤ بالتفتيش على الأغذية في شيكاغو، وفي مثل هذه الحالات كثيرًا ما يميل الأشخاص الفاعلين في فرق العمل إلى استخدام مصطلحات تخص مجالهم، وعادةً ما يجد الآخرون صعوبةً في تفسيرها.

وفي سبيل تجنب المصطلحات الخاصة من المهم الاتفاق بين مختلف أفراد فريق العمل على تحديد المكونات المشتركة للمشروع، والتعبير عنها باستخدام مصطلحات مُميزة ومُتفق عليها بين الجميع، وبمضي الوقت يتعلم فريق العمل أهمية تعزيز التواصل، وفائدة الاجتماع على مصطلحات مُوحدة منذ البداية في تفادي سوء الفهم.

ومن بين العناصر المحورية في تحقيق التواصل الفعّال تطلع الجميع إلى إنجاز المهمة الرئيسية، والتوقف عن الاهتمام بتفاصيل جانبية في تخصصات الآخرين، والتركيز على المساحة المشتركة التي مثلت تحسين عمليات التفتيش على الأغذية في حالة شيكاغو.

وبالإضافة إلى اختيار مفردات مشتركة والتركيز على غايات المشروع، يُمثل تكرار التواصل واستجابة المشاركين للرسائل والطلبات أحد العناصر البسيطة والمهمة في الوقت نفسه.

ثانيًا: إنشاء خارطة لتخطيط العمليات:

يُعد توفير خارطة تشرح سير العمل أحد أفضل السُبل التي تسمح لمختلف الأطراف المُشاركة بفهم عناصر القوة والضعف في المشروع واحتياجاته. وبحسب ما قالت بتلر: “يُمثل طرح الأسئلة الصحيحة جزءًا من الحل الفعّال للمشكلات، وحين لا يعرف أحد ماهية تلك الأسئلة فإن السبيل الأفضل لذلك هو إنشاء خريطة عمليات”.

وتُوضح مثل هذه الخريطة ما يهدف إليه المشروع، والأطراف المسؤولة، ولأي حد ينبغي أن تكتمل كل عملية، وكيفية قياس نجاحها، وبذلك تتمكن مُختلف الأطراف المُشاركة من المُضي قدمًا بطريقة مُثمرة، وتوفير الوقت خلال الأجل القصير، وإنجاز أهداف المشروع طويلة الأمد.

ثالثًا: إلمام أحد أفراد الفريق بالجوانب المختلفة للمشروع:

من المهم أن يعرف أحد أفراد الفريق جيدًا مختلف أقسام المشروع كالتحليلات والتكنولوجيا وعمليات التفتيش على الأغذية كما في هذه التجربة. ويسمح فهم الجوانب المتباينة بالحد من احتمالات سوء الفهم والمخاوف التي تنشأ لدى كل جانب في فريق العمل، كما يُساعد في تعزيز التواصل، وبناء الثقة بين مختلف الأطراف مع تقدم سير العمل.

وفي النهاية، تمكن الفريق المشترك من تطوير تطبيق سهل الاستخدام وفعّال يستفيد من تحليلات البيانات للتنبؤ بعمليات التفتيش على الأغذية، ويُقدم مثالًا على ما يُمكن أن يقود إليه التعاون بين الإدارات الحكومية وتنظيم العمل وتحليل البيانات.