كيف استفادت منطقة سينسيناتي الأمريكية من البيانات المفتوحة في التعامل مع حالات الطوارئ؟

في شهر سبتمبر/أيلول من عام 2008، أصاب إعصار “آيك” منطقة سينسيناتي الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تضم مقاطعات تنتمي إلى ولايات أوهايو وكنتاكي وإنديانا وتُحيط بمدينة سينسيناتي في أوهايو، ويسكنها ما يزيد عن مليوني نسمة.

وخلال فترة مواجهة “آيك”، الذي خلف دمارًا واسعًا، عانت فرق الاستجابة للطوارئ في مختلف مقاطعات المنطقة من المشكلات ومشاعر الإحباط ذاتها؛ إذ تسببت الخرائط الورقية وغياب مشاركة المعلومات بين إدارات الولايات في الحيلولة دون تثبتهم من نطاق الأزمة التي يُواجهونها، وتحديد البنى التحتية المهمة والموارد الإقليمية المُتوافرة.

وفي الأشهر التالية لأزمة الإعصار، تعاون “المجلس الإقليمي لحكومات أوهايو وكنتاكي وإنديانا” مع “وكالة إدارة الطوارئ” في مقاطعة هاميلتون، بالإضافة إلى “قسم الإطفاء” في مدينة سينسيناتي لتطوير برنامج إقليمي يعتمد على خريطة، ويطمح إلى تحسين الوعي الظرفي بالمواقف في أوقات الكوارث، ما يمنع تكرار مشكلات كالتي وقعت خلال التعامل مع إعصار “آيك”.

وبدأ الفريق العمل انطلاقًا من نسخة فائقة التخصيص من برنامج الخرائط المعتمد على “نظام المعلومات الجغرافية” الذي تُوفره شركة “مؤسسة أبحاث النظم البيئية” المعروفة باسم ESRI. وأضاف الفريق إلى الخريطة مكونات كثيرة منها بيانات تتعلق بالبنى التحتية المهمة مثل المنشآت الكيميائية ومحطات الإطفاء والمستشفيات والمدارس، كما عزز الخرائط بواسطة أدوات تستخدم بيانات الوقت الحقيقي حول حالة الطقس والمرور وخلاصات من مواقع الإعلام الاجتماعي.

وبعد مضي عامين من الجهد الدؤوب في جمع البيانات، انطلقت في سبتمبر/أيلول 2010 شبكة التحقق الإقليمي من الطوارئ تحمل اسم Regional Asset Verification Emergency Network التي يُشار إليها اختصارًا باسم “رافين 911” RAVEN911.

ومنذ ذلك الحين، أثبتت “رافين 911” فائدتها وتعدد استعمالاتها في التعامل مع مجموعة متنوعة من المواقف الطارئة مثل الظروف المناخية القاسية، والتهديدات بتفجير قنابل، والسيطرة على الحشود وغيرها. وعلى سبيل المثال، في حال ورود نبأ بتسريب مواد كيميائية، يُمكن لفريق التعامل مع الطوارئ الرجوع إلى “رافين 911” عبر حاسب أو جهاز محمول، وتزويد الشبكة بموقع التسرب، والمادة الكيميائية، والجهاز الذي تسبب في التسرب.

وحينها تُضيف الشبكة إلى هذه المعلومات بيانات آنية تتعلق بحالة الطقس وبيانات الخرائط والمناطق السكنية والبنية التحتية، لتُحدد مسار التسرب الكيمائي والتأثيرات المُحتملة على السكان. ومن خلال احتساب هذه المُتغيرات، تُعين حدود مناطق الإخلاء والاحتواء.

ولم يكن تطوير أداة تعرض البيانات عبر مدن ومقاطعات وولايات مختلفة مهمة سهلة على الإطلاق. وأرجع ديفيد شوي، مدير قسم نظم المعلومات الجغرافية في “المجلس الإقليمي لحكومات أوهايو وكنتاكي وإنديانا”، ضرورة تأسيس نظام “رافين 911” على أساس إقليمي إلى طبيعة حالات الطوارئ التي لا تتقيد بالحدود السياسية، وحين تُؤثر على عددٍ من المقاطعات، فإنها تُمثل منطقة عمياء للمعنيين بالتعامل مع الطوارئ خارج مقاطعتهم.

ودائمًا ما يُرافق مشاركة الحكومات لبياناتها مخاوف بشأن الخصوصية. ومن أجل أن تضمن الحكومات المحلية أمن بياناتها في شبكة “رافين 911″، التقى شوي وفريقه التقني مع الأقسام المعنية في منطقة سينسيناتي؛ بهدف التحقق من سياسات الخصوصية ومعايير الأمن المُطبقة لديهم. وأكد الفريق التقني أن الوصول إلى بيانات “رافين 911” يُتاح فقط للمختصين بالتعامل مع حالات الطوارئ الذين خضعوا لتحقق دقيق من “قسم شرطة سينسيناتي”.

وعلاوةً على ذلك، يتطلب الوصول إلى “رافين 911” بيانات دخول مُشفرة تُوفرها شركة “إسري”، كما تفقد صلاحيتها دوريًا، الأمر الذي يجعل من الصعب للغاية على المستخدمين غير المرغوب فيهم الوصول إلى الشبكة ومن المستحيل بقاءهم فيها لفترة طويلة. وكانت جميع هذه المعايير كفيلة بتهدئة مخاوف الحكومات المحلية، وأيضًا الحفاظ على أمن بياناتهم.

لكن خلال تجربة جمع البيانات اللازمة لنظام “رافين 911″، أدرك “المجلس الإقليمي لحكومات أوهايو وكنتاكي وإنديانا” افتقار الكثير من الوكالات الحكومية في المنطقة إلى المعلومات اللازمة، ما يُمثل أمرًا بالغ الأهمية؛ نظرًا لأن نطاق الخريطة وتنوعها سيفقد جانبًا كبيرًا من قيمته حال لم يثق مستخدموها بدقة بياناتها وحداثتها.

ولذلك، بدأت فرق لجمع البيانات من “المجلس الإقليمي لحكومات أوهايو وكنتاكي وإنديانا” و”إدارة الإطفاء” في سينسيناتي في توثيق آلاف المباني المهمة باستخدام معدات التصوير وأجهزة تحديد المواقع الجغرافية. وحاليًا تُعيد فرق البيانات زيارة الوكالات المُساهمة سنويًا لتحديث البيانات.

وتخطت فائدة “رافين 911” منطقة سينسيناتي الكبرى؛ فعلى الرغم من أن بيانات البنية التحتية تقتصر على المنطقة، إلا أن الكثير من الأدوات الأخرى في النظام تستخدم بيانات آنية على مستوى الولايات المتحدة مثل مسح مواقع الإعلام الاجتماعي وحالة الطقس، وبالتالي يُمكن للمختصين بالتعامل مع حالات الطوارئ الحصول عليها وتخصيصها بحسب موقعهم الجغرافي.

وأعرب شوي عن اندهاشه من نطاق استخدام “رافين 911” خارج منطقة سينسيناتي، وعدد مسؤولي الطوارئ من خارجها الذين يسجلون الدخول أسبوعيًا إلى النظام. وفي الواقع، أسهم “رافين 911” في تنسيق الاستجابة والمساعدة في بعض الأحداث المهمة مثل تفجير ماراثون بوسطن، وحادثتي إطلاق النار في مدرسة ساندي هوك الابتدائية ومسرح أورورا، وإعصار ساندي.

ويرى شوي أن لدى المناطق الأخرى وسائل تكفل لها تكرار تجربة “رافين 911” وإنجاز نظام مُماثل. وقال: “تكمن إحدى الوظائف الرئيسية لنظام (رافين 911) في قدرته على العمل كمُستودع مركزي للبنية التحتية الأساسية والأصول عبر منطقة سينسيناتي الكبرى. تمتلك معظم المناطق بيانات مُشابهة، لكنها عمومًا تفتقر إلى دافع لتبادلها إقليميًا، على الرغم من إمكانية جمع تعاون الوكالات والبيانات في صورة عامة مُماثلة لنظام (رافين 911)”.

لكن تطوير “رافين 911” يُثبت أن إنشاء نظام يعتمد على الخرائط لا يعني مجرد توفير خريطة وتوزيع البيانات عليها، إذ تطلب إنجازه ضمان ثقة مختلف الأطراف المشاركة. وعزز فريق العمل التعاون عبر سلطات المدن والمقاطعات المختلفة من خلال تأسيس معايير قوية لأمن البيانات، وإيضاح تلك المعايير للوكالات المُستهدفة.

كما أوفى الفريق بتعهده باستخدام البيانات عالية الجودة وحدها، ما أكسب “رافين 911” ثقة أنظمة التعامل مع حالات الطوارئ ودفعها لاستخدامه. ويُشير نجاح “رافين 911” إلى ضرورة بناء المساعي المُماثلة لإضافة المعلومات إلى الخرائط على أساسٍ من الاجتهاد والتعاون.