كيف امتد تأثير “أوبر” إلى القطاع المصرفي؟

ربما يكون من المُتوقع التأثير الكبير لشعبية “أوبر” Uber والشركات المُماثلة، التي تعتمد على تطبيقات للهواتف ومنصات الإنترنت لربط الركاب بسائقي السيارات العادية غير التجارية، على سيارات الأجرة المملوكة للأفراد أو الشركات والمدن. وهو ما حدث بالفعل، ويُواجه “أوبر” احتجاجات على عمله في عددٍ من المدن حول العالم، وحظرته بعضٌ منها كما هو الحال في الهند والبرازيل وأسبانيا.

لكن في الواقع يتجاوز تأثير “أوبر” شركات سيارات الأجرة ليصل إلى المصارف واتحادات التسليف أو الاتحادات الائتمانية في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك من خلال تسببه في تراجع أسعار تراخيص سيارات الأجرة، في حين تعتمد عدد من المؤسسات المالية على تقديم القروض لشراء تراخيص السيارات كأحد أنشطتها الرئيسية، ما يُعرضها لمخاطر جمة.

وعادةً ما تحصل شركات سيارات الأجرة على قروض مصرفية للحصول على التراخيص اللازمة التي تُصدرها المدن وتُعرف باسم Medallions. وقبل سنوات قليلة تصاعدت أسعار التراخيص في مدينة نيويورك، وأسهم في ذلك تحديد المدينة لعدد التراخيص في كل عام، ما أدى إلى زيارة الطلب عليها وبالتالي ارتفاع قيمتها.

وقبل عامين فقط وصل سعر رخصة سيارة الأجرة في نيويورك إلى 1.3 مليون دولار وفقًا لبيانات شركة “ستاندرد آند بورز كابيتال آي كيو” Standard & Poor’s (S&P) Capital IQ لمعلومات الخدمات المالية.

لكن بعد دخول “أوبر” تغير الأمر كثيرًا؛ إذ لا تخضع الشركة لنفس قيود التراخيص كما هو حال شركات سيارات الأجرة، ولا يحتاج سائقوها للحصول على تصاريح للعمل، وسمح ذلك بتنامي عدد السائقين العاملين مع “أوبر” خلال خمسة أعوام ليصل إلى ثلاثين ألف سائق في مدينة نيويورك وحدها، في حين يبلغ عدد سيارات الأجرة الصفراء المُرخصة نحو نصف هذا العدد. كما تصاعد تقدير قيمة “أوبر” ليصل إلى 51 مليار دولار خلال عام 2015. وفي المُقابل تراجعت قيمة ترخيص سيارة الأجرة في نيويورك من 1.3 مليون دولار إلى 750 ألف دولار.

ولا تقتصر المشكلة على نيويورك وحدها، وتُقدر “ستاندرد آند بورز” انخفاض قيمة الترخيص في شيكاغو إلى 240 ألف دولار مُقارنةً مع 360 ألف دولار في عام 2013. وبحسب مجلة “كومون ويلث” CommonWealth، فقد انخفض متوسط سعر ترخيص سيارة الأجرة في بوسطن إلى 400 ألف دولار تقريبًا بينما وصل إلى 600 ألف دولار قبل عام.

ولا يُؤثر تراجع قيمة تراخيص سيارات الأجرة على شركات السيارات وحدها، تمامًا مثلما هزت أزمة قطاع الإسكان عمليات الإقراض لتمويل المنازل. وفي الوقت الراهن تُواجه المصارف الأمريكية المُتخصصة في قروض تراخيص سيارات الأجرة خسائر كبيرة في ظل الانهيار المُفاجئ في الأسعار.

وأدى ذلك إلى قروض يتجاوز فيها الدين قيمة الأصل المُراد شراءه، أي حصول المدينين على قروض تقل قيمة التراخيص التي استدانوا لشراءها عن المبالغ المالية التي حصلوا عليها، أو بتعبيرٍ آخر قروض تقل قيمتها السوقية عن قيمتها المكتوبة، ويُشار إليها بتعبير Underwater Loan.

كما تتردد المصارف والمُقرضون في مواصلة تمويل شراء تراخيص السيارات، وخصوصًا مع مواجهة المقترضين صعوبات في أداء ديونهم. وبدلًا من ذلك يطلب الدائنون السداد التام للقروض في حين يتعثر أصحاب تراخيص السيارات في الوفاء بما عليهم.

ورأى المدير المُشارك في “ستاندرد آند بورز”، أرنولد جيفيرو، في ما يجري مثالًا دراميًا على تأثير تطبيقات تقاسم ركوب السيارات على العمل إجمالًا.

ويُقدم “مونتوك كريديت يونيون” أو “اتحاد مونتوك للتسليف” Montauk Credit Union في نيويورك مثالًا على أوضاع الاتحادات الائتمانية. وفي شهر سبتمبر/أيلول الماضي أخضعت “إدارة الخدمات المالية” في ولاية نيويورك الاتحاد لإداراتها؛ بسبب ما وصفته بالظروف غير الآمنة والمُضطربة في المؤسسة.

ويمتلك “اتحاد مونتوك للتسليف” نحو 170 مليون دولار من القروض غير المُسددة، نال ثلثها مُشغلي سيارات الأجرة الذين يُواجهون صعوبات في أداء ديونهم منذ تصاعدت شعبية شركات تقاسم ركوب السيارات مثل “أوبر” و”ليفت”.

وتُظهِر بيانات موقع “كريديت يونيون توداي” Credit Union Today لأخبار الاتحادات الائتمانية أن نحو 3% من قروض “مونتوك” تأخر سدادها قبل أن تفرض ولاية نيويورك سيطرتها عليه. وبالإضافة إلى ذلك، تراجعت أموال الاتحاد السائلة وإيرادات الفوائد إلى نسبة 10% من جميع ممتلكاته بينما تخطت 12% قبل ستة أشهر. وتتراوح إيرادات الفوائد لكثيرٍ من الاتحادات الائتمانية بين 15 إلى 30% من ممتلكاتها.

ورفض مُتحدث باسم “إدارة الخدمات المالية” في ولاية نيويورك تقديم المزيد من التفاصيل بشأن الحجز على “اتحاد مونتوك للتسليف”، كما لم يكشف عن مدى قلق الولاية من تعرض مصارف أخرى لوضعٍ مُماثل.

لكن المؤسسات المالية في نيويورك لا تُخفي قلقها، وفي شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أقامت مجموعة منها دعوى قضائية على مدينة نيويورك و”لجنة سيارات الأجرة والليموزين” فيها لسماحها بعمل “أوبر”، واتهمت الشركة بتدمير أعمالها وتهديد مصادر معاشها.

وفي الآونة الأخيرة حذر “اتحاد ميلروز للتسليف” Melrose Credit Union مدينة نيويورك من تدهور الوضع المالي لأصحاب تراخيص سيارات الأجرة، لدرجة قد تجعلهم غير قادرين على سداد 212 مليون دولار يحين دفعها خلال الأشهر القليلة التالية.

وفي شهر يوليو/تموز الماضي تقدم يفجني فريدمان، أحد كبار مُلاك سيارات الأجرة في الولايات المتحدة، بأوراق لإشهار إفلاس عدد من شركاته في نيويورك بعدما سعى مصرف “سيتي بنك” لمصادرة ستة وأربعين ترخيصًا تمتلكها. ويُدير فريدمان أساطيل من سيارات الأجرة في مدن منها بوسطن وشيكاغو وفيلادلفيا ونيو أورلينز.

وتعمل شركة “أوبر” في نحو مائتي مدينة أمريكية. وتتوقع “ستاندرد آند بورز” امتداد تأثير انهيار أسعار تراخيص سيارات الأجرة خارج نيويورك، على الرغم من أنها شهدت التراجع الأكثر حدة في الأسعار. وخلص تحليل الشركة إلى وجود ما لا يقل عن أربع مؤسسات مالية أخرى جعلت من توفير القروض لتراخيص السيارات جزءًا مهمًا من نشاطها، ما قد يُعرض عملها للخطر.

وتشمل المؤسسات الأربع “اتحاد ميلروز للتسليف” و”لوموتو فيدرال كريديت يونيون” Lomto Federal Credit Union في نيويورك. و”بنك يونايتد” BankUnited في ولاية فلوريدا، و”سيجنتشر بنك” Signature Bank  في ولاية كولورادو.

وتتوقع “ستاندرد آند بورز” تزايد وضع مُلاك سيارات الأجرة ومقرضيهم سوءًا قبل أن يبدأ بالتحسن. وتقترح اتخاذ المؤسسات المالية المنخرطة في مجال تراخيص سيارات الأجرة خطوات مناسبة لتقييم المخاطر الائتمانية المتزايدة والتخفيف منها.

وتوقع التحليل أن تستمر خدمات تقاسم ركوب السيارات في مُنافسة شركات سيارات الأجرة على المدى الطويل، ما يعني احتمال مواصلة أسعار تراخيص السيارات تراجعها لحين التوصل إلى منافسة أكثر توازنًا.

المصدر

مصدر الصورة