كيف تتجاوز المؤسسات الثمن الباهظ لتضارب القرارات؟

تُواجه المؤسسات من مختلف الأنواع مشكلةً لا تنال القدر المناسب من الاهتمام؛ وهي التضارب في اتخاذ القرار وافتقاره إلى الاتساق والثبات، ويعني تعامل الموظفين بأسلوب مختلف مع حالات متماثلة ما يُسفر عن نتائج بالغة الاختلاف. ويرجع التضارب أو الضوضاء في القرارات إلى طبيعة البشر، وتأثر قراراتهم بعوامل غير ذات صلة بالقضية الأصلية مثل الحالة المزاجية والطقس وحتى الجوع والشبع.

وتتفاوت الوظائف في مقدار التضارب؛ فيقل كثيرًا في الأعمال الكتابية في المصارف والبريد بفضل اتباعها قواعد صارمة تُقلل مجال الأحكام الذاتية، وتضمن إلى حدٍ كبير معاملة الحالات المُتماثلة بنفس الطريقة. وفي المُقابل، يرتفع مستوى الضوضاء في الطب والقضاء وإدارة المشروعات. ويُصدر المسؤولون أحكامهم استنادًا إلى خبرتهم غير الرسمية ومبادئ عامة، ويعني ذلك أن القرارت ترتبط أساسًا بأحكام شخصية.

وأكدت دراسات مختلفة انتشار الضوضاء في اتخاذ القرار، وخلصت إلى أن الموظفين غالبًا ما يُناقضون أحكامهم السابقة عند دراستهم نفس البيانات في ظروف مختلفة، وتتزايد حدة التباين مع تعدد المسؤولين. ويعني ذلك أن المهنيين غالبًا ما يتخذون قرارات تختلف كثيرًا عن أقرانهم، كما تُخالف قراراتهم السابقة والقواعد التي يزعمون اتباعها.

وينطوي تضارب القرارات على مخاطر كبيرة تتسبب في خسائر للشركات تصل إلى مليارات الدولارات عند احتساب تراكم آثاره على مدار سنوات، وبالتالي فإن الحد من الضوضاء بنسبة قليلة سيُحقق مكاسب معتبرة.

ويشيع الاعتقاد بتفوق الخوازميات الإحصائية، حتى البسيطة منها، في التوصل إلى تنبؤات وقرارات حتى إذا ما حصل الخبراء على معلومات أكثر مما تعتمد عليه المعادلات الرياضية، وتكمن الميزة الرئيسية للخوارزميات في سلامتها من التناقض. وبالطبع ففي حالات كثيرة لا يمكن استخدام الخوارزميات لأسباب عملية أو إدارية.

الضوضاء مُقابل التحيز

في حين لا تلتفت مؤسسات كثيرة للآثار السلبية الناجمة عن التضارب كمصدر للخسائر، تعتني بآثار التحيز، ومنه التحيز الاجتماعي كالصور النمطية عن الأقليات، والمعرفي كالإفراط في الثقة دون أساس. وفي الواقع تختلف الضوضاء عن التحيز، وتحدث عند الوصول إلى نتائج مختلفة بناءً على نفس المُعطيات، بينما يُشير التحيز إلى الميل نحو اتجاه بعينه.

ويُبين الشكل التالي تأثير الضوضاء والتحيز على مستوى الدقة أو بلوغ الهدف المنشود من خلال عرض آراء فريق يتألف من أربعة أشخاص، وبينما تقاربت أحكامهم في الشكل “A” الذي يُمثل الدقة، يُظهِر الشكل “B” تباعد أحكامهم بتأثير الضوضاء، ويتضح في الشكل “C” التحيز بابتعاد الأحكام عن الهدف الصحيح وتركزها في اتجاهٍ واحد، وتختلط الضوضاء بالتحيز كما في الشكل “D” وقد يقود الحظ عندها إلى إدراك الهدف، لكن لا تتحمل المؤسسات تكلفة الركون إلى الحظ.

الفارق بين تأثير التحيز والتضارب على دقة القرارات

يعرض الشكل الفارق بين تأثير التحيز والتضارب على دقة القرارات

ومن الصعب تمييز التحيز والتضارب في القرارات؛ إذ لا تتبين نتائج الكثير منها سوى بعد سنوات وأحيانًا لا تُعرف أبدًا. ولذلك تستفيد المؤسسات من إجراء مراجعة أو فحص Noise Audit يهدف أساسًا إلى تحسين نوعية القرارات، ويُشترط لنجاحه تولي المؤسسة إدارة التجربة وتقبلها لنتائجها، وتتم من خلال عرض حالات تغطي مجالات العمل على الموظفين وقياس مدى اختلاف أحكامهم.

ولا تلتفت مؤسسات كثيرة لمسألة تضارب القرارات لسببين؛ أولهما ثقة المتخصصين في أحكامهم وتقديرهم لذكاء زملاءهم، ما يدفعهم إلى المبالغة في تقدير اتفاق فريق العمل، ويتوقعون توصل زملاءهم إلى قرارات مُماثلة لرؤيتهم. ويتمثل السبب الثاني في عدم اهتمام الكثير من المتخصصين بآراء الآخرين واعتقادهم بأن لديهم أفضل الأفكار دون بحث بالبدائل الأخرى.

وفي بعض الأحيان يستند توقع المرء اتفاق الآخرين مع قراراته إلى مُبررات قوية كما هو الحال في مجالات تتطلب ممارسة لسنوات طويلة وتُقدِم نتائج وتعليقات فورية مثل الشطرنج وقيادة السيارات، ويفوق التعلم من الأخطاء الشخصية التعلم من تجارب المديرين والأقران، وتُنمي خبرة الشخص الطويلة ثقته بأحكامه، لكن الثقة دون تعليقات سريعة لا تُعد ضمانًا للدقة أو لحصول الإجماع.

حل للحد من التضارب

يكمن الحل الأكثر جذرية للتضارب في اتخاذ القرار في الاستعانة بالخوارزميات التي تعتمد على البيانات كبديل للأحكام البشرية. وعلى مدار الأعوام الستين الماضية تنافس البشر أمام الخوارزميات في مهام تتنوع بين التنبؤ بالعمر المُتوقَع لمرضى السرطان ونجاح الخريجين، وتجاوزت دقة الخوارزميات البشر في نصف عدد الدراسات تقريبًا وقاربتها في أخرى، ما يصب في صالح الخوارزميات باعتبارها الأكثر كفاءة من ناحية التكلفة.

وبالتأكيد لا تُلائم الخوارزميات جميع المواقف ومنها القرارات متعددة الأبعاد أو التي تتطلب إجراء مفاوضات. وأحيانًا تتعذر الاستعانة بالخوارزميات لاعتبارات مؤسسية؛ لأن استبدال موظفين بخوارزميات عملية طالما تُواجه اعتراضات ومقاومة ما لم يُسنَد إلى الموظفين مهامًا أفضل.

وفي حال توافرت الظروف المواتية يسهل تطوير الخوارزميات وتطبيقها؛ فلا يُشترط دائمًا تحليل قدر هائل من البيانات للتوصل إلى معادلات، ويُمكن الاكتفاء بقواعد منطقية Reasoned Rules تعتمد على حالات قليلة، وتتطلب وضع ما بين ستة إلى ثمانية متغيرات وإسناد قيمة متساوية لكلٍ منها وتكوين القاعدة عبر حسابات بسيطة، ومثلًا عند إعداد قاعدة لحساب الإخفاق في الوفاء بالديون تُصنَف أصول المدين كعناصر إيجابية ومسؤولياته المالية ضمن العناصر السلبية. وفي أغلب الظروف حققت القواعد المنطقية نتائج تُضاهي في دقتها النماذج الإحصائية.

وبغض النظر عن نوع الخوارزمية، ينبغي احتفاظ الخبراء بزمام التحكم، كما يتوجب عليهم متابعة الخوارزميات وتعديلها لتتوافق مع التغيرات الطارئة، والأكثر أهمية من ذلك إجادة ترجمة نتيجة الخوارزميات إلى إجراءات في الواقع.

ويستخدم متخذو القرار الخوارزميات كمصدر وسيط للمعلومات كما هو الحال في نظام تقييم السلامة العامة الذي يُساعد المحاكم الأمريكية في تحديد الأشخاص الذين سيُطلق سراحهم قبل المحاكمات. وخلصت دراسات إلى إجادة البشر تقديم مدخلات أولية مفيدة للمعادلات، وتفوق الخوارزميات في اتخاذ القرارات النهائية.

سبيل إلى انضباط الأحكام

على الرغم من نجاعة اللجوء إلى الخوارزميات، إلا أن هذا الحل لا يُمكن تطبيقه في كل الأحوال، ومن المهم اعتماد إجراءات تُعزز اتساق القرارات، ومنها ضمان اتباع الموظفين المكلفين بالمهمة ذاتها طرقًا مُتشابهة في الحصول على المعلومات واتخاذ القرارات استنادًا عليها.

ويتحقق ذلك من خلال التدريب، وإن لم يكن وحده ضمانًا للاتساق بسبب تفضيل الموظفين اتباع أساليبهم الخاصة لاحقًا. ولذلك تُنظم بعض المؤسسات موائد مستديرة للتوصل إلى اتفاق بشأن القرارات، ويعيب هذا الأسلوب ميل المشاركين إلى الموافقة سريعًا على أولى الأفكار أو أفضلها طرحًا. ومن أجل تجنب الاتفاقات الزائفة، ينبغي على المشاركين دراسة القضايا أولًا وتأليف آراء يُمكنهم الدفاع عنها، بما يكفل استفادة المجموعة من النقاش.

وبدلًا من المائدة المستديرة أو بالإضافة إليها، يتعين توفير أدوات فعّالة سهلة الاستخدام تُساعد الموظفين أثناء جمع المعلومات وإصدار الأحكام والقرارات كالأسئلة المكتوبة بعناية وقوائم التحقق. ومع الإقرار بصعوبة التعامل مع تضارب القرارات، إلا أن تكاليفها الباهظة تجعل من علاجها محاولة تستحق بذل الجهد. ولا تتأتى القرارات الجيدة سوى بتقليل التحيزات العامة والإدراكية والحد من التضارب.

المصدر والصور