كيف تتجنب اتخاذ قرارات متحيزة؟

لا تخلو الحياة العملية والشخصية وحتى العمل الحكومي من القرارات المتحيزة وما تُسببه من إحباطات وآثار سلبية واسعة، وكثيرًا ما ترجع إلى اقتصار الاهتمام على جزءٍ محدد من البيانات والانطلاق من وجهة نظر مُسبقة. وتتكرر القرارات المُتحيزة بصور مختلفة، وكثيرًا ما تتبع المسارات التالية:

  1. اتخاذ القرار بناءً على أحد العناصر التالية أو جميعها: الشعور بالأهمية الشخصية، والأيدلوجية، والخبرات الشخصية، ومشاعر الخوف، والتشاور مع أشخاص يتبعون نفس طريقة التفكير.
  2. اتخاذ القرار ثم البحث عن بيانات تبرره وتدعمه.
  3. إعلان القرار وتنفيذه والدفاع عنه بأدنى درجة مُمكنة.
  4. نيل التقدير في حالة نجاح القرار، وإلقاء اللوم على الآخرين عند الإخفاق.

وفيما يخص اتخاذ القرار، يُدرك مستخدمو الأساليب العلمية والقضاة وغيرهم خطورة اتخاذ القرار قبل جمع الحقائق ذات الصلة بالموضوع، وضرورة توافر رؤية شاملة للموقف قبل الإقدام على الاختيار. وينطوي اتخاذ القرارات على الكثير من العمل الجاد، وغالبًا ما يجري اتخاذ القرارات المهمة في تحت ضغط الشكوك والوقت المحدود، ويُضاف إلى ذلك التعقيد المُتزايد في العالم المعاصر، وتباين استجابة الأشخاص والمؤسسات للقرارات وصعوبة تفسير أسباب الاختلاف.

ويعني ذلك وجود الكثير من العوامل التي يتعين وضعها في الاعتبار، ونادرًا ما تتوافر البيانات الموثوق بها ذات الصلة بالقضية محل البحث في مصدرٍ واحد، بل تتوزع البيانات الضرورية في مصادر مُتناثرة يُمكن الوثوق ببعضها ويصعب الاطمئنان لبعضها الآخر.

وفي ضوء هذه الظروف يسهل إقدام الأشخاص على اتخاذ القرار أولًا ثم البحث عن المعلومات التي تُساند قرارهم لاحقًا. وبينما يُعد هذا الخيار سريعًا، إلا أنه لا يقود إلى قرارات جيدة ومدروسة في كل مرة. ولذلك قبل التوصل إلى قرار ينبغي أن يُطرح سؤال عما إذا كان هناك شخص آخر يُمكنه اتخاذ هذا القرار ويتوافر لديه الوقت الكافي لجمع الصورة الكاملة عن الموقف. وإذا كانت الإجابة بنعم يجب إسناد اتخاذ القرار إلى ذلك الشخص أو الفريق.

ويُعد ذلك أمرًا صعبًا ولاسيما بالنسبة للمديرين والمسؤولين العاملين في بيئات تشترط صدور جميع القرارات من المستويات الإدارية العليا. وفي مثل هذه الظروف ينبغي تغيير بنية الإدارة لتتولى مستويات أقل في الترتيب الهرمي اتخاذ القرارات ذات الصلة بعملها، وبذلك يتوافر الوقت أمام القيادات لاتخاذ القرارات الأكثر أهمية وتستفيد المؤسسة بأكملها.

وبالنسبة للمسار الثاني، وهو البحث عن بيانات تُبرر القرارات بعد اتخاذها، فيرجع إلى غياب المنظور الواسع بدرجة تسمح باتخاذ القرار استنادًا إلى بيانات موثوقة والدفاع عنه. ويشيع ذلك في مجالات الأعمال وخارجها، ويعني تفضيل المرء للمبادئ أو الحقائق التي يأمل أن تكون صحيحة وتُساند وجهة نظره.

وفي الوقت الراهن يتوافر قدرٌ هائل من البيانات المتنوعة ومن المُمكن تفسيرها بطريقة تُؤيد أي قرار، وصار الأمر أكثر سهولة بفعل انتشار الإنترنت ومواقع الإعلام الاجتماعي، ومن السهل الركون إلى تأثير التحيز التأكيدي، أي اهتمام الفرد بالبيانات التي تُؤيد قراره وتجاهل بقية البيانات التي تتعارض معه.

ويتطلب تجنب هذا المسار خطوتين؛ الأولى: الاعتراف بعدم إمكانية الثقة في الحدس وحده. وفي الواقع لا يرغب أحد في الإقرار بانحيازه لرأي أو طرف؛ بسبب ما تحمله الكلمة من دلالات سلبية، وإن كان أفضل متخذي القرار يعترفون بمفاهيمهم المسبقة. ويُسهِم البحث الجاد في الإقرار بوجهات النظر المختلفة والتخفيف من حدة القرارات والبحث عن رؤى أكثر تنوعًا.

وتتمثل الخطوة الثانية في معارضة الميول الذاتية، وتجربة المضي في الاتجاه المعاكس للاختيار الأول، وجمع البيانات اللازمة للدفاع عن وجهة النظر المعاكسة ومُقارنتها بالمعلومات المستخدمة للدفاع عن القرار الأصلي، ثم إعادة تقييم القرار في ضوء البيانات الجديدة. وحتى مع ذلك، قد لا تصير الرؤية مكتملة تمامًا، لكنها بالتأكيد ستكون أكثر توزانًا.

وقبل إعلان القرار والشروع في تنفيذه ثم الدفاع عنه أمام الآخرين من الضروري أن يعرض متخذ القرار اختياره على شخص أو شخصين ممن يتمنون نجاحه ويدعمونه، وفي الوقت نفسه يتمتعون بالشجاعة لإعلان رأيهم الصادق حين يرون تفكيرًا معيبًا أو تجاهلًا لحقائق مهمة أو أخطاء. وعندها يتوجب على متخذ القرار إعادة التفكير في الاختيار والبيانات اللازمة لمساعدته.

وفي الواقع يُقدِم قليلون على اتخاذ قرارات متحيزة عن قصد، وكثيرًا ما يندفعون إليها بسبب السرعة، لكن من خلال طرح الأسئلة الضرورية والاستعانة بالأشخاص الملائمين والاعتراف بالأفكار المسبقة وعرض القرار على نقاد سيتمكنون من اكتشاف سوء اتخاذ القرار وتصويبه.

المصدر

الصورة