كيف تتعامل المملكة المتحدة مع تلوث الهواء؟

لا ترتبط مشكلة تلوث الهواء في المدن البريطانية بالوقت الحاضر؛ ففي عام 1661 كتب جون إيفلين يصف سحب الفحم التي أحاطت بلندن، واقترح علاجها بزرع أشجار طيبة الرائحة. وارتفعت مستويات التلوث مع الثورة الصناعية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

وبلغ التلوث ذروته في عام 1952 مع “الضباب الدخاني الكبير” الذي أودى بحياة أربعة آلاف شخص في لندن، وقاد لاحقًا إلى صدور قوانين الهواء النظيف حول معايير الوقود المستخدم في المناطق الحضرية. لكن ذلك كله لم يُفلح في الحد من تلوث الهواء، وفي شهر فبراير/شباط 2017 أصدرت “المفوضية الأوروبية” تحذيرًا أخيرًا للملكة المتحدة بسبب فشلها في الالتزام بحدود التلوث المسموح بها في الاتحاد الأوروبي.

الضباب الدخاني الكبير، لندن ديسمبر 1952

مشهد لمدينة لندن أثناء الضباب الدخاني الكبير في شهر ديسمبر 1952

ولا تخفى أهمية الحاجة للحد من تلوث الهواء، وتجمع تجربة المدن البريطانية بين تشجيع المواصلات العامة والتحول إلى الحافلات الكهربائية وسن قواعد لخفض استخدام المركبات الأقدم والأكثر تسببًا في التلوث وتقنيات جديدة لتحسين نوعية الهواء.

أولوية للمواصلات العامة والطاقة النظيفة

تختفي حافلات الديزل القديمة تدريجيًا وتحل مكانها الحافلات الكهربائية أو تلك التي تعتمد على تكنولوجيا هجينة تجمع بين الوقود والكهرباء. وتسير في لندن 2000 حافلة هجينة وأكثر من 120 حافلة كهربائية. ويقول عمدة المدينة صادق خان: “تقضي هذه الحافلات الكهربائية الجديدة على الانبعاثات الضارة، وسيكون لها تأثير كبير على نوعية هوائنا”.

وتمتلك مدينة نوتنجهام 45 حافلة كهربائية، وتستثمر للحصول على 13 حافلة أخرى، بالإضافة إلى خطة لبرنامج يُتيح للسكان إيقاف سياراتهم في ساحات الانتظار واستخدام المواصلات العامة.

وفي مدينة بريستول تتحول الحافلات الهجينة تلقائيًا إلى الكهرباء عند المرور في أي منطقة تُعاني من نوعية هواء سيئة، كما تُشحن لاسلكيًا من ألواح على الأرض، وربما يُمكن مستقبلًا تركيب ألواح مُماثلة على طول مسارات الحافلات لإعادة شحنها أثناء الحركة. (اقرأ أيضًا عن اختبار تكنولوجيا لشحن السيارات الكهربائية أثناء سيرها)

وتقود مدينة برايتون مبادرة باسم “ذا بيج ليمون”، وتستخدم حافلات كهربائية تعتمد على الطاقة الشمسية، وتسعى لتوفير وسائل تنقل ميسورة التكلفة وصديقة للبيئة لجميع السكان. وتهتم المدن بتخصيص مسارات للحافلات العامة وتزويدها بإشارات مرور ذكية، بالإضافة إلى توفير معابر وتقاطعات أكثر أمنًا للمشاة وأرصفة ومساحات خضراء ومسارات للدراجات.

حافلات كهربائية هجينة في مدينة بريستول

تتحول الحافلات الهجينة في مدينة بريستول تلقائيًا إلى استخدام الكهرباء عندما يرصد نظام تحديد المواقع الجغرافية مرورها عبر منطقة تُعاني من تلوث الهواء

وتعهدت الحكومة البريطانية باستثمار 173 مليون جنيه إسترليني لتحسين المواصلات العامة في مدينة ليدز ودعم برامج انتظار السيارات واستخدام المواصلات العامة، بالإضافة إلى تخصيص 71 مليون جنيه إسترليني للحافلات الهجينة.

وتتبع مدينة جلاسكو خطة تستمر لعشرة أعوام بهدف خفض تلوث الهواء، وتتضمن تدابير لتيسير مرور الدراجات وإدارة المرور وتشجيع عدد أكبر من الأشخاص على ترك سياراتهم الخاصة ما يُقلل عدد المركبات في الشوارع، ويُحسّن نوعية الهواء في المدينة.

ومنذ ثمانينيات القرن العشرين تُتيح أنظمة الترام خدمات منتظمة وموثوقة للتنقل لا تتأثر بحركة مرور السيارات، كما ينجم عنها قدر أقل من تلوث الهواء، وتتوافر في ثماني مدن. وتزيد كفاءة أنظمة الترام عند تكاملها مع خدمات الحافلات والقطارات والمطارات.

مناطق الهواء النظيف

بحلول عام 2020 ستُخصِص خمس مدن بريطانية، هي ليدز وبرمنجهام ونوتنجهام ودربي وساوثامبتون، مناطق تتمتع بهواءٍ نظيف Clean Air Zones، وستفرض على المركبات الأكثر تسببًا في التلوث مثل الحافلات وسيارات الأجرة القديمة رسومًا مرتفعة نظير المرور بهذه المناطق.

وتعتزم لندن تخصيص مناطق تسمح بانبعاثات غازية منخفضة جدًا Ultra Low Emission Zone، وسيكون على المركبات الاختيار بين الالتزام بمعايير صارمة للانبعاثات أو دفع رسوم مرور يومية. وتشترط المدينة على سيارات الأجرة التي ستحصل على تراخيصها بعد شهر يناير/كانون الثاني 2018 ألا يصدر عنها أية انبعاثات وخصصت نقاط لتحصيل رسوم من سيارات الأجرة سوداء اللون.

وابتداءً من شهر أكتوبر/تشرين الأول 2017 ستفرض المدينة “رسم السُمية” بقيمة عشرة جنيهات إسترلينية على المركبات الأقدم والأكثر تسببًا في التلوث عند دخولها إلى وسط المدينة، لتُضاف إلى رسم الازدحام.

وربما تُساعد تقنيات أخرى في الحد من تلوث الهواء في المناطق الحضرية منها تحويل الغاز إلى سوائل تحتوي قدرًا أقل من الجزيئات وثاني أكسيد النيتروجين، وتشجيع السيارات ذاتية القيادة التي ستُقلل من توقف المحركات وإعادة تشغيلها، واستخدام Ezero1 وهو إضافة هيدروجينية إلى الوقود تُقلل من انبعاثات المحركات بنسبة 80%.

المصدر

الصور: 1 2 3