كيف تجعل “جوجل” موظفيها أكثر سعادة وإنتاجية؟

كثيرًا ما تتصدر شركة “جوجل” قوائم أفضل الأماكن للعمل؛ بسبب ما تقدمه لموظفيها من مزايا منها الوجبات المجانية وأماكن الراحة والعطلات وإجازات الأمومة والرواتب المرتفعة، لكن ربما يكون من أهمها البرنامج التدريبي “ابحث داخل ذاتك” Search Inside Yourself الذي يهتم بالتنبيه الذهني أو سُبل الوصول إلى الوعي التام Mindfulness، ويُنسب إليه الفضل في تعزيز سعادة الموظفين وإبداعهم ومرونتهم وتحسين مهاراتهم في القيادة.

أكثر عشر شركات جاذبية للموظفين

تتقدم “جوجل” أكثر عشر شركات جاذبية للموظفين بحسب تصنيف “لينكدإن” لهذا العام وجميعها من شركات التكنولوجيا

وأسس البرنامج في عام 2007 مهندس البرمجيات تشيد-منج تان Chade-Meng Tan. ويُعرِّف تان التنبيه الذهني كطريقة للانتباه عن قصد خلال اللحظة الراهنة، وتتأتى من خلال ممارسة التأمل وتدريبات أخرى. وعدَّ من بين فوائده: أولًا: اكتساب القدرة على تهدئة العقل عند الحاجة، بما يُمكِّن الشخص من التفكير بهدوء ووضوح أثناء المواقف الصعبة والضغوط، ولهذه المقدرة تأثيرها الكبير على القيادة عمومًا.

وثانيًا: صفاء الذهن، أي الإدراك الدقيق للإشارات الحسية والمعرفية والوجدانية، ما يقود إلى زيادة الوعي الذاتي، ويُقوي جانبين على الأقل للوعي الذاتي؛ وهما الوعي العاطفي الذي تتبين فيه التفاصيل الدقيقة للخبرات العاطفية اللحظية، والتقييم الذاتي الذي يختص بالتفكير الموضوعي في الميول والهوية والموارد ومكامن الضعف.

واعتبرت دراسات سابقة التقييم الذاتي الدقيق أحد سمات القيادة الفعّالة؛ فكلما تعمقت معرفة المرء بمواطن القوة والضعف لديه وأولوياته ومغزى حياته، كلما زادت كفاءته في إلهام الآخرين وخدمتهم وقيادتهم.

وثالثًا: يُحقق الهدوء وصفاء الذهن منافع ثانوية منها المرونة العاطفية ولاسيما عند الاستجابة للألم العاطفي، وكذلك زيادة الإبداع لدى الذهن المسترخ القادر على الاستجابة السريعة والذكية.

وأوضح تان أن فوائد تدريب التنبيه الذهني تستند إلى نتائج أبحاث علمية منها دراسة أجُريت في إحدى شركات التكنولوجيا في عام 2003، وانتهت إلى أنه بعد ثمانية أسابيع من التدريب صار المشاركون أكثر سعادة وأقل توترًا وتحسنت مناعتهم في مواجهة الانفلونزا.

كما توصلت دراسة إلى أن التدريب لثمانية أسابيع أسهم في كبح نشاط لوزة الدماغ، الجزء البدائي المسؤول عن استجابات الخوف والقلق. وخلصت دراسة في عام 2013 إلى أن ثمانية أسابيع من تدريب التنبيه الذهني خففت القلق الاجتماعي والاكتئاب والتوتر، وفاقت فعاليتها التمرينات الرياضية.

وربطع تان بين تأسيسه البرنامج التدريبي ورغبته في تهيئة الظروف الملائمة لإحلال السلام العالمي، ويرى أن تمتع الأفراد بالسلام والسعادة الداخليين ومشاعر الرحمة سيقود إلى  السلام العالمي. ويعتقد بالحاجة إلى التوفيق بين هذه الميزات الثلاث من جانب ونجاح الأفراد والشركات من جانب آخر.

ويعني ذلك مساعدة الأشخاص والشركات على النجاح بطريقة تجعل من السلام والسعادة الداخليين والرحمة نتائج لا مفر منها، الأمر الذي يكفل لها الانتشار على نطاقٍ واسع. ويُمكن بلوغ ذلك من خلال تدريب البالغين على الذكاء العاطفي أو الوجداني، بحسب تان.

تشيد-منج تان، مؤسس برنامج "ابحث في ذاتك" للتنبيه الذهني في "جوجل"

تشيد-منج تان، مؤسس برنامج “ابحث في ذاتك” للتنبيه الذهني في “جوجل” المصدر

وقد يكون من الأمور المثيرة للدهشة سهولة إنشاء برنامج “ابحث داخل ذاتك” حتى قبل أن ينال شهرته الحالية. وبرر تان ذلك بعنايته بجعل التدريب عملي واستخدامه لغة دقيقة وتقنية يسرت فهم التعاليم ونفعها للجميع، بالإضافة إلى تميز موظفي “جوجل” بذهن متفتح وإقبالهم على التحقق العملي من دعاية تختلف عن معتقداتهم.

واعتبر تان أن انشغال الأفراد هو أكبر العقبات أمام برنامجه التدريبي؛ فيرغب كثيرون في حضوره لكن يفتقرون إلى الوقت الكافي، كما أن بعض ممن حضروا لا يجدون مجالًا كافيًا للممارسة والتدرب.

وتتنامى شعبية تدريب التنبيه الذهني، حتى أن الكاتب الفرنسي والراهب البوذي ماتيو ركارد نظم جلسة للتأمل خلال “المنتدى الاقتصادي العالمي” في مدينة دافوس السويسرية في عام 2014 بحضور قادة ومديرين بارزين.

وفسَّر تان ذلك بفعالية تدريب التنبيه الذهني، ووضوح تأثيره بعد فترة قليلة من الممارسة. وشبهه بالتمرينات الرياضية التي تجعل الجسم صحيًا ولائقًا وتُسهِم في تحسين جوانب مختلفة من حياة الشخص، وبالمثل تقود ممارسة التنبيه الذهني إلى ذهن صحي ولائق يُحسن مختلف جوانب الحياة.

وحثّ تان المتشككين في جدوى التنبيه الذهني على قراءة كتب مثل مؤلَفَيه “ابحث داخل ذاتك” و”الفرح عند الطلب” وغيرها، أو الإقدام على تجربته فعليًا. وأسس تان بالتعاون مع “جوجل” “معهد قيادة ابحث داخل ذاتك” غير الربحي بهدف تدريب غير العاملين في الشركة.

المصدر

الصورة