كيف تدعم الخدمات المالية عبر الهواتف المحمولة التغيير في أفريقيا؟

في الكثير من دول العالم تتوافر خيارات مختلفة لتحويل الأموال عبر المصارف وخدمات التحويل التقليدية والإنترنت، لكن الحال يختلف كثيرًا لدى ملياري شخص بالغ يفتقرون إلى الخدمات المالية، ويُوجد أغلبهم في الدول النامية، ويعني ذلك غياب وسائل جيدة للادخار أو الاقتراض عند الحاجة.

ويُعد توفير الخدمات المالية الرسمية، ويُطلق عليه الشمول أو الإدماج المالي، جزءًا أساسيًا من التنمية الاقتصادية العادلة، وبمقدوره تحسين سُبل العيش على مستوى الأفراد وتعزيز النمو الاقتصادي للدول، كما يري جاي روسنجورد، المحاضر المُتخصص في السياسة العامة في “كلية هارفارد كينيدي”. وتتأكد أهمية الشمول المالي للمجموعات المهمشة والنساء الذين يستبعدهم الاقتصاد الرسمي عادةً ولا يتحكمون كثيرًا في إدارة شؤونهم المالية.

وبدلًا من السعي لتوفير الخدمات المصرفية التقليدية، تُقدم الهواتف المحمولة حلًا مُبتَكرًا أسرع وأيسر كما تُظهِر التجربة الواعدة لكينيا. وأسهمت الخدمات المالية عبر الهواتف المحمولة في زيادة نسبة الكينيين ممن لديهم حسابات مصرفية من 42% في عام 2011 إلى 75% في 2014، وزيادة الإدماج المالي بين الفئات الأفقر من 21 إلى 63% خلال الفترة نفسها.

وبحسب روسنجورد يكمن سحر الخدمات المصرفية عبر الهواتف المحمولة في بساطتها وانخفاض تكلفتها؛ إذ تحتاج فقط إلى هاتف محمول بسيط ورخيص وبطاقة اتصال وإيداع الأموال لدى وكلاء معتمدين ينتشرون على نطاقٍ واسع كمتاجر البقالة ومحطات الوقود، وبعدها يستطيع المستخدمون إرسال الأموال واستقبالها عبر رسائل نصية قصيرة دون الحاجة إلى هاتف ذكي أو تطبيق خاص سواءً كان ذلك لدعم أسرهم أو للأغراض التجارية وسداد الفواتير.

وأظهرت دراسة أجراها روسنجورد دور الخدمات المصرفية عبر الهواتف المحمولة في تغيير أسلوب مواطني كينيا في إدارة مواردهم المالية. ويُرسل 19 مليون مستخدم لخدمة “إم-بيسا” M-PESA الأكثر شعبية 15 مليار شلن كيني يوميًا ما يُعادل 150 مليون دولار، الأمر الذي أهل كينيا لتخطي بلدان أخرى فيما يتعلق بالشمول المالي، ويتجاوز عدد الحسابات المصرفية فيها بمرتين الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى، كما تتخطى بثلاث أضعاف تقريبًا الدول منخفضة الدخل حول العالم.

وزادت ثورة الخدمات المصرفية عبر المحمول في كينيا من الاستقرار المالي للأسر، وتوصلت دراسة أجُريت في عام 2014 إلى تفوق مستخدمي “إم-بيسا” في التعامل مع الصعوبات المالية مثل مواسم الحصاد السيئة وخسارة الوظائف وإخفاق المشروعات التجارية دون الاضطرار إلى تخفيض استهلاك أسرهم، وذلك بالاعتماد على مساعدات من العائلة والأصدقاء أُرسلت إليهم عبر الخدمة. وفي المُقابل، اضطر الآخرون ممن لا يستخدمون “إم-بيسا” لتقليص استهلاكهم بنسبة 7% في المتوسط.

كما يدعم توافر خدمات سهلة لدفع المال مشروعات كثيرة؛ منها ما يُوفر الكهرباء عبر الطاقة الشمسية في المناطق النائية، والتأمين لصغار المزارعين، وإدارة السجلات المالية لصغار التجار وغيرها.

وتُمثل الخدمات المالية عبر الهواتف المحمولة طريقًا مُختصرًا وفارقًا ومنخفض التكلفة لتحقيق الإدماج المالي في الدول النامية خلال فترة قصيرة مُقارنةً مع مساعي نشر الخدمات المصرفية التقليدية، ويُساعد ذلك على المدى الطويل في تنمية اقتصادية واجتماعية أكثر عدلًا وشمولًا. ومثلًا إذا تمكنت أسرة ريفية في بلدٍ مثل كينيا من إرسال الأموال لدعم تعليم أبنائها في مدنٍ بعيدة، فسيعني ذلك مساعدة الأبناء على إتمام دراستهم وتحسين مستقبلهم المهني وتمكنهم لاحقًا من دعم أسرهم.

ولم تكن الخدمات المصرفية عبر الهواتف المحمولة التكنولوجيا الأولى التي تُساعد بلدان نامية على تجاوز مراحل التنمية المُعتادة، وأحدث انتشار الهواتف المحمولة تأثيرًا مُماثلًا خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وساعد الكثير من الدول الأفريقية على تخطي مرحلة الهواتف الأرضية الثابتة، وما تبع ذلك من تأثيرات اجتماعية واقتصادية ومحاولات لاستخدامها في التوعية والخدمات التعليمية والصحية.

الصورة