كيف تستفيد الحكومات من البيانات في تحقيق الصالح العام؟

انطلاقًا من عظم تأثيرها ونفوذها الاقتصادي، تلعب الحكومات على المستويات الوطنية والمحلية دورًا محوريًا في أي مسعى للتحول المجتمعي، ولاسيما التحول الرقمي. ولا تقتصر بصمتها على تنفيذ برامجها الخاصة للتغيير، وإنما تُحفِّز أيضًا التحولات الرقمية في مختلف قطاعات المجتمع.

ويعتمد التحويل الرقمي للخدمات الحكومية على أربعة أركان تشمل: دعم التعاملات الرقمية للمواطنين، والعمليات الرقمية الشاملة من طرفٍ لآخر، واتخاذ القرارات استنادًا على البيانات، وتبادل البيانات ونشرها. وضمن دورها المُزدوج، تعمل الحكومات على تشجيع التغيير الاجتماعي والاقتصادي من خلال الإجراءات التنظيمية، وتقديم نماذج جديدة في العمل كالاقتصاد التعاوني ونماذج مختلفة للتوظيف، وتوفير البنية التحتية التقنية والتمويل، ودعم رأس المال البشري الرقمي كما يُبين الرسم التالي:

دور الحكومة في التحول الرقمي

يعرض الشكل دور الحكومة في التحول الرقمي سواءً من خلال برامجها الخاصة (الجانب الأيسر) أو بتوفير المناخ المُلائم للتغيير (الجانب الأيمن) المصدر: (ماكينزي آند كومباني) للاستشارات

وعلى الرغم من الأثر الواضح للانتشار الواسع والسريع للخدمات الرقمية في الكثير من أنحاء العالم على الحكومات والمجتمعات، إلا أن ثورة البيانات المُقبلة تُبشر بتغييرات جذرية أكثر عمقًا تسمح للحكومات بتقديم خدمات أفضل، وتحسين سياساتها، وزيادة إنتاجية برامجها.

وتدعم مبادرات البيانات الحكومية الاتجاه إلى وضع سياسات بناءً على أدلة. ويكفل تعزيز دور البيانات رفع كفاءة الحكومات وفعاليتها وشفافيتها، كما يُسفر عن تغييرات ملموسة في إدارة السياسات العامة لأنشطة حكومية متنوعة.

وبمقدور التطبيقات المعتمدة على البيانات تحويل العمليات الداخلية والخدمات النهائية في مختلف القطاعات من الضرائب والتعليم إلى التنمية الاقتصادية والرعاية الصحية. وتسعى الحكومات الرقمية الناجحة للجمع بين البيانات الضخمة والتحليلات المُتقدمة وإنترنت الأشياء لتقديم خدمات ذكية ومُتكاملة.

لكن محاولات التحسين لا تكفي وحدها، وتحتاج الحكومات إلى نظام مفتوح وشامل لإدارة الأداء كأساس لصنع السياسات وضمان الشفافية والمساءلة العامة. ومن هذا المُنطلق ينبغي على الحكومات التركيز في مُبادراتها للبيانات على ما يلي:

  1. استيعاب المواقف العامة تجاه سياسات معينة وتحديد التغييرات اللازمة.
  2. تطوير واستخدام مؤشرات أداء أساسية مُتفق عليها تسمح بتحديد أهداف للسياسات خلال مرحلة التصميم.
  3. قياس ما يحدث في الواقع من خلال تمكين الموظفين الحكوميين والمواطنين والشركات من توفير معلومات وتعليقات مبنية على حقائق.
  4. تقييم أداء السياسات والمُلائمة بين البيانات الكمية والنوعية، واستمرار تحسين عمليات صنع السياسات وتنفيذها.
  5. توفير أشكال مختلفة من البيانات كصورتها الخام والمُعَالجَة والقابلة لإعادة الاستخدام.

وتُسهِم ثورة البيانات في التطور المُتواصل والشامل للخدمات العامة، وتعتمد على اتجاهين رئيسين:

الأول: استمرار تراجع تكاليف معدات الحوسبة والأجهزة الخاصة بنقل البيانات وتخزينها وتحليلها، بالإضافة إلى الابتكارات المرتبطة بتحليل البيانات مثل تعلم الآلة والذكاء الاصطناعي.

الثاني: النمو غير المسبوق في حجم البيانات بفضل انتشار الأدوات الرقمية، ويُتوقع استمرار نمو البيانات بانضمام مصادر جديدة يرتبط الكثير منها بمشروعات المدن الذكية.

وفي الوقت الراهن يتجلى تأثير البيانات بالفعل في مختلف المجالات كالنقل والمرافق وأنظمة الدفاع والشرطة والإصلاحيات. ومثلًا في قطاع المواصلات، أطلقت إحدى المدن الأوروبية الكبيرة برنامجًا يستمر لعدة سنوات بهدف الحد من اختناقات المرور وتحسين شبكة المواصلات العامة.

واستعانت المدينة بتحليل البيانات لفهم الأنماط الحالية والمستقبلية للتنقل الحضري، ونجحت في تشخيص الأسباب الجذرية للازدحام، وعملت بعدها على محاكاة تأثير أساليب مختلفة في التخفيف من الازدحام، وأثمر أحدها زيادة متوسط السرعة بنسبة 8% وتقليل إشغال مساحات انتظار السيارات إلى 65%.

وفيما يتعلق بالبنية التحتية والمرافق الذكية نجح برنامج المدينة الذكية في برشلونة الأسبانية في تحسين البصمة البيئية للمدينة وكذلك نوعية حياة المواطنين وتوفير 47 ألف وظيفة محلية. وأدى الاستخدام الذكي للكهرباء في إنارة الشوارع وللمياه في ري الحدائق والأغراض المُشابهة إلى تخفيض استهلاك حكومة المدينة من الكهرباء والمياه، وتحقيق وفورات سنوية بقيمة 95 مليون دولار. ونفذت برشلونة برامج أخرى منها تحسين رعاية كبار السن، وتعديل مسارات المواصلات ومواعيدها، ونظام آلي لإدارة النفايات.

ومع الإقرار بدور البيانات في تحسين العمل الحكومي وحياة المواطنين، تتطلب الاستفادة التامة من البيانات أربع ضرورات:

أولًا: اكتساب ثقة المواطنين والقادة وتقبلهم لدور البيانات.

ثانيًا: قيادة الحكومة لثورة فعلية في إدارة المهارات والكفاءات.

ثالثًا: إعادة تصميم جذرية لأساليب عمل الحكومة.

رابعًا: استخدام تقنيات تضمن العمل البيني والتعامل مع تدفقات البيانات الضخمة.

وبالتأكيد يحمل المستقبل فرصًا جديدة، وربما مستبعدة حاليًا، للتحويل الرقمي للخدمات الحكومية، وسيُرافق تقدم ثورة البيانات سياسات عامة مختلفة كليًا تصب في صالح المؤسسات الحكومية والمواطنين على حدٍ سواء.

المصدر والصور