كيف تستفيد لندن من التمويل الجماعي في إقامة المشروعات وتعزيز مُشاركة المجتمع؟

لم تعُد حملات التمويل الجماعي حكرًا على رواد العمال والمُبتكرين الباحثين عن تمويل لمشروعاتهم أو وسيلة لاختبار جدوى أفكارهم وفرص نجاحها، بل تستعين بها المدن ليس فقط لأغراض مالية وإنما أيضًا لتعزيز دور المجتمع المحلي وتشجيع المواطنين على المشاركة بالمقترحات والدعم والاستفادة من أفكار أكثر تنوعًا، وهو ما فعلته العاصمة البريطانية لندن.

وخصصت “هيئة لندن الكبرى” 730 ألف جنيه إسترليني أو ما يُعادل مليون دولار تقريبًا من أجل الإسهام في تمويل أفكار المواطنين لتحسين المناطق الحضرية. ويتنافس 55 مشروعًا على نيل التمويل، ومنها مقهى غير هادف للربح مُخصص للأطفال ومهرجان اجتماعي. وسيُعلن مجلس المدينة في التاسع والعشرين من شهر يونيو/حزيران الجاري عن المشروعات الفائزة بالدعم.

ومن بين أهم المشروعات المتنافسة “بيكهام ليدو بروجت” Peckham Lido project الذي يرمي إلى تجديد مسبح عام عانى من الإهمال وغُمر قبل ثلاثين عامًا. ويقود المشروع المهندس المعماري كريس رومر-لي الذي سبق أن أطلق مع شركته “ستوديو أكتوبي” Studio Octopi حملةً في موقع “كيكستارتر” للتمويل الجماعي، ودعا فيها إنشاء حمامات سباحة في نهر التايمز Thames Baths. ونجحت الحملة الأولى خلال فترة تقل عن شهر في جمع أكثر من 140 ألف جنيه إسترليني، جاء أغلبها من مساهمات صغيرة، وأفادت في تمويل دراسة التخطيط للمشروع.

وفي برنامج “عمدة لندن للتمويل الجماعي” يتمتع “مشروع بيكهام ليدو” بفرص كبيرة للفوز، وجمع ما يزيد عن ثلاثين ألف جنيه إسترليني من أكثر من سبعمائة مُساند للمشروع. ووصف رومر-لي التمويل الجماعي بالأسلوب المُثير للاهتمام، لافتًا إلى اختلاف الحملة الحالية عن سابقتها الخاصة بإنشاء مسابح في نهر التايمز؛ إذ أن الأولى تعاملت مع العمارة المدنية كمُنتج، بينما يُعزز المشروغ الحالي الشعور بالانتماء إلى المجتمع والمصداقية.

ويُعبر هذا عن هدف فريق التجديد في “هيئة لندن الكبرى”. ويُمثل هذا البرنامج التطبيق الثالث لنهج بدأه العمدة السابق بوريس جونسون، ويتواصل في عهد خلفه صادق خان. ويعتبر مسؤولو المدينة التمويل الجماعي أداةً مهمة فيما يُمثل شكلًا جديدًا من الميزانية التشاركية أو مُشاركة المواطنين في إعداد الميزانية، وهو أيضًا طريقة ديموقراطية تبدأ من المجتمع وصولًا إلى السلطة من أجل تغيير البيئة العمرانية وتعزيز مشاركة المجتمع المحلي.

وعلاوةً على ذلك، ففي ظروف التقشف المالي يُوفر التمويل الجماعي سبيلًا للإبقاء على الزخم والاهتمام بالمشروعات المدنية. وعلى المستوى الوطني في المملكة المتحدة تراجع الإنفاق السنوي على المشروعات المدنية من ثلاثة مليارات إلى 600 مليون جنيه إسترليني؛ بسبب التخفيضات في تمويل المجالس المحلية.

ويستفيد التمويل الجماعي من حماس المُساهمين دون أن يُثقل كاهل جميع دافعي الضرائب. كما يسمح للحكومة المحلية بدعم أحد المشروعات دون أن تتحمل تبعات نجاحه أو إخفاقه، وكذك دون الاضطرار إلى تحمل تكاليف الموظفين والنفقات الأخرى.

وقال كونراد فون ريتر، وهو مُستشار مهتم بالبحث في كيفية استخدام المدن لاستراتيجة التمويل الجماعي: “يسمح التمويل الجماعي بالتنفيذ الفعلي لأفكار الأحياء السكنية”. واعتبر العلانية والدعاية ركنين أساسيين في نهج مدينة لندن، وكذلك شريان حياة لمختلف حملات التمويل الجماعي؛ إذ يختلف الأمر كثيرًا لدى الجمهور عند الإعلان عن دعم عمدة المدينة لمشروعٍ بعينه.

تاريخ قديم لمنصات التمويل الجماعي

في الواقع لا تُعد مشاركة المواطنين في دعم مشروعات في مجتمعاتهم المحلية أمرًا جديدًا، ويتكرر حتى في المجتمعات الصغيرة والريفية، وإن كانت سبل الإعلان والدعم قد تطورت كثيرًا وأتُيحت للجميع تقريبًا. وفي عام 1885 استجاب الآلاف من سكان مدينة نيويورك الأمريكية لدعوة الناشر جوزيف بوليتزر للمساعدة في تمويل قاعدة لتمثال الحرية.

وبينما امتلك بوليتزر صحيفة خاطب الجمهور من خلالها، يسر الإنترنت والإعلام الاجتماعي في الوقت الراهن على أي شخص إطلاق حملات التمويل الجماعي. وتتوافر مئات المنصات عبر الويب، ومنها ما يختص بالمشروعات الحضرية التي تقترحها الأحياء السكنية مثل “سيتزنفيستور” Citizinvestor، و”نيوبر” Neighbor.ly، و”آيوبي” Ioby.

ويستخدم برنامج لندن للتمويل الجماعي منصة “سبيس هايف” Spacehive التي تستعين بها أيضًا مدينتا يورك وهال في المملكة المتحدة. وتقول الشركة، التي تتخذ من لندن مقرًا لها، أنها تسعى إلى تمكين المواطنين من تشكيل مجتمعاتهم، وإلى جمعهم حول هدف مُشترك.

وقالت آرون أودولينج-كين، من شركة “سبيس هايف”، أن كلمة التجديد أو النهضة قد تحمل معنى سيئًا، لكن برنامج لندن يتجنب فكرة الاستطباق، أو تطوير المناطق لتحتل الطبقات الأكثر ثراءً أماكن الأقل دخلًا. وبدلًا من ذلك، يدعو المواطنين لاقتراح ما يودون أن تقدمه مناطق سكنهم وعملهم والمناطق التي يمضون فيها أوقاتهم.

ويمتلك برنامج عمدة لندن للتمويل الجماعي مساحته الخاصة في موقع “سبيس هايف”، ويستطيع مسؤولو المدينة نشر دعواتهم لمشروعات التجديد الحضري، كما يُمكن للمواطنين إطلاق حملاتهم من خلالها. وتبدأ المشروعات أولًا بجميع التمويل، ولاحقًا تختار المدينة دعم بعضها، وتعهد عمدة لندن بتقديم مبلغ يصل إلى عشرين ألف جنيه إسترليني كتمويلٍ إضافي لكل حملة؛ بهدف دعم المشروعات الأقدر على الاستمرار والنجاح للحصول على ما تحتاجه من تمويل، أو على الأقل منحهم دفعة من المصداقية والشهرة تُساعدهم في جذب التمويل المطلوب.

وتُحدد مدينة لندن بعض الشروط في المشروعات التي تدعمها؛ فمن الضروري وجود المشروعات في الشوارع الرئيسية أو قريبًا منها، كما ينبغي أن تستهدف تحسين البيئة وجذب الزائرين وتطوير المساحات الخالية، وكذلك أن تُضفي حيويةً اجتماعية واقتصادية على المجتمع، وتنجح في نيل دعم قوي من منطقتها.

وتعتمد المدينة إجراءات للتحقق من المشروعات تتولى بعضها “سبيس هايف” من خلال التأكد من فرص نجاح المشروعات ماليًا، وعدم مواجهتها عثرات مثل افتقار منظميها إلى تصريح لاستخدام مساحة محددة من الأرض. وقالت مُديرة المجتمع في موقع “سبيس هايف”، هارييت جريدلي، أن إجراءات التحقق تُلائِم المجالس المحلية التي ترحب بها قبل ربط اسمها بأحد المشروعات.

تأثير غير مُباشر لحملات التمويل الجماعي

وتُقيّم “هيئة لندن الكبرى” المشروعات المُتنافسة استنادًا على أربعة عناصر رئيسية؛ أولها مدى جودة الفكرة وابتكارها وتأثيرها المُحتمل، وثانيها مدى واقعيتها وإمكانية حصولها على التمويل، وثالثها القيمة التي يُحققها المشروع، ويتمثل العنصر الرابع في مدى نجاح الفكرة في جذب دعم الجمهور من خلال حملات التمويل الجماعي.

وخلال الدورتين السابقتين من “برنامج عمدة لندن للتمويل الجماعي” نالت المشروعات التي اختارتها المدينة دعمًا كبيرًا من الجمهور. ويقول موقع “سبيس هايف” أنها شهدت زيادة بنسبة 171% في عدد التبرعات التي تلقتها بعد تأييد العمدة لها، كما ارتفع متوسط الدعم اليومي الذي تحصل عليه من ستين إلى مائتي جنيه إسترليني.

ومن بين أنجح المشروعات السابقة، ويقع في الحي ذاته الذي يضم مسبح “بيكهام ليدو”، مشروع “بيكهام كول لاين” Peckham Coal Line، واستهدف تحويل خط غير مُستخدم للسكك الحديدية إلى حديقة. وسعى المشروع إلى جمع 65 ألف جنيه إسترليني عبر “سبيس هايف” من أجل تمويل دراسة الجدوى الأولية ومواد الدعاية واتفاق حماية الأصول.

ونجح “بيكهام كول لاين” في جمع 69% من هدفه من المجتمع منها عشرة آلاف جنيه إسترليني من المجلس المحلية، كما حصل على مبلغ مُماثل من تمويل عمدة لندن. ولفتت جريدلي إلى دعم عمدة المدينة في تشجيع الشركات المحلية على الانخراط في المشروعات ودعمها، ما يُعد تأثير غير مُباشر للبرنامج.

ومن بين المنظمات التي انضمت إلى الجمهور في دعم “بيكهام كول لاين” مؤسسة “ساسترانس” Sustrans الخيرية المعنية بالنقل المُستدام. ويأمل رومر-لي أن ينجح مشروعه “بيكهام ليدو” في إحراز نجاح مُشابه، وجمع بالفعل 25% من هدفه البالغ 66 ألف جنيه إسترليني خلال الأيام الأربعة الأولى للحملة، ويترقب إعلان مجلس المدينة عن المشروعات الفائزة بالدعم نهاية الشهر الحالي.

المصدر

مصدر الصورة