كيف تلعب الحكومة الصينية دورًا مزدوجًا في دعم الابتكار وإعاقته؟

على مدار سنوات لعبت الصين دور المصنع الأرخص في العالم، ومع اقتراب هذا الدور من نهايته يصير الابتكار العنصر الأكثر أهمية في خطط التنمية الحكومية. وتُقدم الحكومة الصينية نفسها بوصفها نموذج فريد لتأثير الدولة في تعزيز الابتكار. ومع ذلك لم تُثمر جهودها الكبيرة النتائج المرجوة بعد، وبينما تدعم بعض السياسات الرسمية الابتكار، فإنها من دون قصد تُعيق أحيانًا تصدر البلاد في مجالات العلوم والتكنولوجيا.

ومن بين إسهامات الحكومة في دعم الابتكار استثماراتها الضخمة في الأبحاث والتطوير، وشهدت نسبتها من الناتج المحلي الإجمالي زيادةً كبيرة من 0.9% في عام 2000 الى 2% في 2015، وتمضي في سبيلها لبلوغ هدف 2.5% في 2020. وفي العام الماضي احتلت حصة الصين من الإنفاق العالمي على الأبحاث والتطوير المركز الثاني بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وبلغت 20% و26% على الترتيب، كما تشغل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في أعداد الحاصلين على درجات الدكتوراه سنويًا في العلوم والهندسة.

وخلال السنوات الأخيرة أطلقت الحكومة الصينية برامج تستهدف تنمية الكفاءات العلمية منها “صندوق العلوم الوطني للباحثين الشباب المتميزين” لدعم المشروعات العلمية، و”برنامج تشانج جيانج للباحثين” الذي يسعى لاجتذاب الأساتذة الزائرين البارعين، و”خطة ألف موهبة” لاستقطاب الباحثين الصينيين العاملين في الخارج.

كما تقوم الحكومة الصينية بدورٍ مُباشر في تطوير قطاعات مثل استكشاف الفضاء والدفاع والحواسيب الفائقة، وتتفق في ذلك مع حكومات الدول الأخرى؛ إذ غالبًا ما تكون الحكومات هي المستهلك الوحيد أو الأهم لهذه القطاعات، وغالبًا ما يعتمد الابتكار التكنولوجي فيها على التمويل الحكومي ويجري داخل مختبرات حكومية أو شبه حكومية.

وهناك الكثير مما يُمكن إضافته إلى دور حكومة الصين في دعم الابتكار، ومع ذلك تبدو النتائج أقل إبهارًا. وخلال الفترة بين 2010 و2015 بلغت حصة براءات الاختراع صينية الأصل التي أجازها “مكتب الولايات المتحدة لبراءات الاختراع والعلامات التجارية” 2.2% فقط، في مقابل 18.8% و5.5% و5.5% لكلٍ من اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية على الترتيب. ووفقًا لأحدث تقرير من “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” لا توجد أية جامعة صينية ضمن قائمة أهم ثلاثين جامعة على مستوى العالم فيما يخص المنشورات العلمية البارزة والمشهود لها، كما أن حصة الصين في المنشورات العلمية البارزة ضئيلة للغاية.

ويُمكن تفسير ضعف إنتاجية نظام الأبحاث والتطوير في الصين بالفارق بين الاستثمارات والنتائج الفعلية، بالإضافة إلى أسباب تتصل بالسياق الاجتماعي والثقافي في الصين كالتركة الثقيلة للتعليم عن طريق الحفظ والاستظهار والاحترام الكبير للتسلسل الهرمي في المؤسسات. كما شكلت بعض السياسات والممارسات الحكومية المصممة أصلًا لتعزيز الابتكار عائقًا رئيسيًا على النحو التالي:

أولًا: يُخصص أغلب التمويل الحكومي للأبحاث والتطوير بناءً على العلاقات السياسية وليس بسبب الجدارة التي تُحددها لجان علمية مستقلة. ولذلك تزيد احتمالات إنفاق الميزانيات على المباني والمعدات العصرية وباهظة التكلفة أكثر من الأبحاث الفعلية.

ثانيًا: تُنفق الصين 4% فقط على الأبحاث الأساسية وهي نسبة تقل كثيرًا عن الدول الأعضاء في “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”. ولذلك يُركز هيكل الأبحاث والتطوير في الصين على تعديل المعارف الحالية وتخصيص المنتجات والخدمات لمُلائمة السوق الصينية، دون أن تبذل جهودًا كافية للتوصل إلى أفكار علمية وتقنيات جديدة كليًا.

ثالثًا: تُولي الحكومة الصينية أهمية كبيرة لعدد براءات الاختراع أكثر من جودتها. وخلال الفترة الممتدة بين عاميّ 2010 و2015 زاد عدد براءات الاختراع المسجلة في “مكتب الدولة للملكية الفكرية” ثلاث مرات من 300 ألف براءة اختراع إلى أكثر من 900 ألف واحدة. وتسعى الخطة الخمسية الثالثة عشر للصين لمُضاعفة هذا الرقم مُجددًا ليبلغ 1.8 مليون براءة اختراع بحلول 2020. وتضر المبالغة في التركيز على الحجم بنوعية براءة الاختراع.

رابعًا: يجعل الجدار الناري العظيم أو النظام الصيني للرقابة على الإنترنت من الصعب على الباحثين الصينيين الإطلاع على الأبحاث والدراسات العالمية، ولا يتمكنون مثلًا من استخدام الباحث العلمي من “جوجل” أو “جوجل سكولار”، ويستخدمون فقط خدمة “بايدو سكولار” التي تشمل الدوريات الصينية دون العالمية.

خامسًا: بسبب رغبتها في العمل داخل السوق الصينية الضخمة تنقل الشركات الأجنبية تقنياتها إلى الصين على الرغم من مواجهتها أوضاعًا غير مناسبة أحيانًا فيما يخص قضايا الملكية الفكرية في المحاكم الصينية. وعلى الرغم من تشغيل أغلب شركات التكنولوجيا الغربية مختبرات للأبحاث والتطوير داخل الصين، إلا أن أغلبها يُركز على تعديل المنتجات بدلًا من تطوير تقنيات ومنتجات مُبتَكرة؛ نظرًا لعدم رغبتها في المخاطرة بنقل تكنولوجيا متطورة مُبكرًا إلى المنافسين في الصين. وقاد ذلك إلى خسارة الصين التأثيرات الإيجابية لعمل أهم شركات التكنولوجيا فيها، وهو أمر أسهم في تأسيس نماذج مهمة للابتكار مثل وادي السيليكون في الولايات المتحدة.

ويتضح التناقض الصارخ عند المقارنة بين الصين والهند. وباستثناء قطاعات محدودة مثل الدفاع لا تُطبِق الهند سياسات تضمن تفوق شركاتها المحلية على المنافسين الأجانب، كما تشعر الشركات الأجنبية العاملة في الهند بقدرٍ أكبر من الأمن بشأن حماية الملكية الفكرية.

وعلى الرغم من إنفاق الهند عُشر ما تُخصصه الصين للأبحاث والتطوير، تتفوق مختبرات شركات التكنولوجيا العملاقة في الهند في تقديم الأبحاث المتطورة على نظيرتها في الصين. وبين عاميّ 2010 و2015 فاقت براءات الاختراع التي حصلت عليها مختبرات أهم عشر شركات أمريكية للتكنولوجيا من “مكتب الولايات المتحدة لبراءات الاختراع والملكية الفكرية” بنسبة 50% ما توصلت إليه مختبراتها في الصين.

ويُشير التحليل السابق إلى ثلاثة استناجات رئيسية؛ أولها أهمية مضمون السياسات، وثانيها أن الأهداف السياسية لا تقود بالضرورة إلى النتائج المرجوة على أرض الواقع، وأخيرًا صعوبة تجنب التناقضات الكامنة بين الأيدولوجية السياسية وضرورات الابتكار.

ومع ذلك، فعند النظر إلى الحجم الهائل للصين ومستوى تعليمها المتقدم في مجالات الرياضيات والهندسة والعلوم، فمما لا شك فيه أنها ستتحول مستقبلًا إلى واحدة من الدول العملاقة في قطاع التكنولوجيا على الصعيد العالمي. لكن بلوغ ذلك قريبًا يتطلب من قيادتها إعادة تصميم السياسات والبرامج، وتقييم جديد لميزات وعيوب الوصول الحر إلى المعلومات عبر الإنترنت، وتوفير نظام قوي لحقوق الملكية الفكرية، وبحث دور الشركات متعددة الجنسيات في تعزيز آثار الابتكار.

المصدر

الصورة