كيف تنجح القيادة في تحويل الإبداع إلى ميزة تنافسية؟

منذ ثلاثة عقود تقريبًا يُنظر إلى الابتكار وريادة الأعمال باعتبارهما محركان للنمو يُقدمان أكثر من مجرد تعويض لخسارة الوظائف بسبب التغيرات التكنولوجية في الاقتصادات المتقدمة، لكن حتى الآن لم ينجحا في التغلب على آثار العولمة وتطور الآلات.

ويرجع ذلك أساسًا إلى سببين أحدهما تنامي سرعة التغيير وآثاره؛ فأتاحت ابتكارات تكنولوجية مثل سرعة التداول والتسويق الرقمي نشأة شركات جديدة سريعًا وتهديدها كيانات أقدم، ويسود هذه البيئة الكثير من التقلب والتعقيد والغموض، وبينما تُكافئ الابتكار، فإنها تُعاقب الإخفاق بقسوة أشد من ذي قبل.  ونتج عن ذلك إنشاء شركات جديدة وتدمير أخرى بسرعة، وتراجع متوسط عمر الشركات ضمن قائمة “فورتشن 500” كثيرًا خلال العقود الماضية.

ويكمن السبب الثاني في قدم ممارسات الإدارة الجيدة. وخلال الثمانينات حسّن نظام الإنتاج في شركة “تويوتا” للسيارات كثيرًا مستوى الجودة ورفع الأرباح، لكنه لا يُلائم بيئة الأعمال سريعة التغير، وفيها لا يُعد تحقيق الكفاءة الاستراتيجية العملية الأكثر أهمية.

وتحتاج المؤسسات إلى تحويل اهتمامها من التنافسية التشغيلية إلى التنافسية الإبداعية، وتعني قدرة المؤسسات والمجتمع عمومًا على تطوير أفكار جديدة وتقبلها والنجاح في تنفيذها. ويتطلب هذا النوع من التنافسية تحديث مختلف الممارسات الإدارية، والانطلاق من نظرة جديدة إلى كيفية تشكل المؤسسات وتوظيفها لرأس المال، وطرق تعاونها مع الشبكات الأوسع، والتكنولوجيا التي تستخدمها، والأسواق التي تستهدفها، وتحديث معايير التوظيف والقيادة وأساليبها وثقافة المؤسسة.

وتختلف طبيعة المؤسسات الرامية إلى تحقيق الكفاءة عن تلك الساعية إلى الإبداع، وتُركز الأولى على توحيد المقاييس وتحقيق مستويات مرتفعة من التنسيق والتقييم الدقيق للمخاطر والحد من الإهدار، وتتطلب الإدارة في الفشة الثانية نوعًا من الرعاية والاهتمام بالتعلم السريع والتجريب الدقيق، وفيها يصير طرح الأسئلة الصحيحة أكثر أهمية من التوصل إلى الإجابات الصحيحة.

ويحتاج القادة إلى القيام بثلاثة أدوار رئيسية؛ أولها دور المستكشف، ويُشبه هذا الدور كثيرًا الطريقة المألوفة للإدارة واتخاذ القرارات، لكنها لا تعني إصدار التوجيهات، بل طرح الأسئلة البناءة من الناحية الاستراتيجية وتوسيع الآفاق وإتاحة المجال لتحدي المعايير والقواعد القائمة والتفكير المختلف، وتُثمر محاولات الابتكار حلولًا جديدة تتكيف مع التغيرات، وحتى إذا لم تُكلل بالنجاح، فإنها ستُحقق قيمةً كبيرة ودروسًا نافعة في كل الأحوال.

ويُمثل البستاني الدور الثاني للقادة، ويعني سعيهم لتهيئة الظروف الملائمة للإبداع، ما يتطلب تفكيرًا واستثمارًا دقيقًا، وتوفير الأدوات والمساحة والكفاءات الملائمة للإبداع والتعاون والشجاعة في حماية الابتكارات الناشئة من التوجهات الساعية لتحقيق الكفاءة وقياسها بإنجازات ومعايير مُحددة سلفًا.

أما الدور الأخير والأكثر صعوبة فهو المدرب أو اللاعب، ويتوجب على القادة المشاركة الفعلية في عملية الابتكار دون السيطرة عليها أو توجهيها، وتوقع العقبات التي لا يتنبه إليها فريق العمل لدفع دورات التجريب والوصول إلى الأفكار، وهو أمر يحتاج الكثير من الثقة والمعرفة بالمؤسسة. وبينما يُجهز البستاني الأرض أو بيئة العمل مسبقًا، على المدرب أن يُشارك في تطوير الأفكار، وعليه أن يعرف الوقت المناسب للتنحي جانبًا وترك المهمة للفريق.

وبالتأكيد تُعد القيادة من أجل الإبداع ممارسة واحدة بين إجراءات أخرى مطلوبة، وإن كانت الأكثر أهمية؛ نظرًا لأن أكثر ما يُعيق الابتكار قيادة تعتبر إبداع الأفكار الجديدة وتنفيذها مجرد عنصر ضمن قائمة مرجعية عنوانها الكفاءة.

المصدر

الصورة