تقرير: كيف تُؤثر تحليلات البيانات على نتائج الانتخابات والديمقراطية؟

لم تعُد الحملات الانتخابية تقتصر على المُؤتمرات والدعاية التلفزيونية وإعلانات مواقع الإعلام الاجتماعي، بل صارت، وتحديدًا في الولايات المتحدة الأمريكية، تتضمن قدرًا غير قليل من تحليل البيانات لتحديد الناخبين الأكثر ميلًا لتأييد مرشح بعينه، والتوجه إليهم برسائل مُخصصة تُلائم سماتهم العمرية والاجتماعية واهتماماتهم، وهو أمر يُثير تساؤلات ومخاوف منها ما يتعلق بتأثيره على نتائج الانتخابات وعلى الديمقراطية عمومًا.

ويصعب التشكيك في الدور الكبير الذي سيلعبه “فيسبوك” في سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية هذا العام. ويُحسن موقع الإعلام الاجتماعي الأكبر في العالم من ناحية عدد المستخدمين باستمرار من أدواته المتاحة للحملات السياسية. وفي العام الماضي أتاح “فيسبوك” لمديري الحملات تحميل قوائم بأشخاص محددين إلى الموقع لتوجيه رسائل مُخصصة إليهم، وحاليًا يسمح للحملات بإيصال رسائلها إلى المستخدمين الذين يهتمون بالمحتوى السياسي أكثر من غيرهم من خلال الإعجاب والمشاركة.

وعلى الرغم من وصف الحملة الانتخابية التي قادت إلى فوز الرئيس الأمريكي باراك أوباما بولايته الرئاسية الأولى في عام 2008 بالاعتماد على البيانات، إلا أن فريقه نجح في عام 2012 فقط بالتوظيف المنهجي للتكنولوجيا الرقمية لمواجهة أكبر مُعضلات الحملات السياسية؛ وهي كيفية الاستفادة المُثلى من الميزانيات المحدودة للوصول إلى الناخبين المناسبين.

وفي الماضي مثلت الجغرافيا العامل الرئيس في استهداف الناخبين، وفي حال اعُتبرت مدينة أو منطقة ذات ميول ديمقراطية تلقى اهتمامًا أكبر من مرشحي الحزب الديموقراطي، وكذلك الحال مع ولايات ومدن صُنفت كمناطق يتمتع فيها الحزب الجمهوري بشعبية أكبر. واختلف ذلك خلال السنوات الأخيرة، وصار من المُمكن استهداف الناخبين كأفراد؛ بفضل توافر المزيد من البيانات ووجود سبل أفضل للبحث فيها وتحليلها وتراجع تكاليف أدوات الحوسبة.

وسعيًا لتحديد الأماكن الأنسب لتوجيه الموارد والاهتمام إليها، استعانت حملة أوباما بنتائج استطلاعات الرأي وغيرها من البيانات للتوصل إلى نموذج إحصائي يُحدد السمات المُشتركة للأنصار المُحتملين لأوباما. ويصف قائد فريق تحليل البيانات في الحملة الرئاسية الثانية لأوباما، دان فاجنر، التقدم بين الحملتين بقوله: “حين طرق المتطوعون الأبواب في 2008، دعم أربعة أشخاص من بين كل عشرة أوباما، بينما بلغ المعدل في 2012 تسعة من بين كل عشرة أشخاص”

وعمل فاجنر وفريقه من مكتب في مدية شيكاغو أُطلق عليه “كهف البيانات”، وابتكروا طرقًا جديدة للإقناع، ومنها اختبار عناوين مختلفة لرسائل البريد الإلكتروني المُوجهة لجمع التبرعات للحملة الانتخابية. ومثلًا أدى عنوان يتحدث عن نفاذ التمويل إلى جمع 2.6 مليون دولار، وفي المُقابل جمع عنوان “افعل هذا لأجل ميشيل” نحو سبعمائة ألف دولار فقط.

كما حدد الفريق ما إذا كانت مجموعات من الناخبين ممن يُودون استهدافهم قد شاهدوا برامج تلفزيونية معينة، ما سمح لهم بتوظيف الإعلانات التلفزيونية على نحوٍ أكثر كفاءة من الناحية المالية. وبالإضافة إلى حشد الناخبين المؤيدين، اختبر الفريق أساليبًا لإقناع آخرين بتغيير آرائهم، وهو ما حقق نجاحًا محدودًا.

دان فاجنر، فريق البيانات في حملة أوباما 2012

طور فريق أوباما استخدام تحليل البيانات خلال حملة إعادة انتخابه في 2012، وفي الصورة دان فاجنر المسؤول عن تحليل البيانات في الحملة

وأطاحت مثل هذه الأساليب المبتكرة بآمال حملة المرشح الجمهوري ميت رومني. وقد يتوقع كثيرون حاليًا احتفاظ الديموقراطيين بميزة التقدم في مجال تحليل البيانات؛ لأسباب ليس أقلها تفوقهم على الجمهوريين في اجتذاب علماء البيانات المهرة. لكن الواقع الفعلي يُخالف هذا التصور. وقال فاجنر أن أغلب ما طبقوه خلال الحملة الانتخابية لأوباما في 2012 تحول حاليًا إلى ما يُشبه السلع الأساسية واسعة الانتشار. وأسس فاجنر بعدها شركة “سيفيس أنالتيكس” Civis Analytics الناشة التي تُوفر خدمات إدارة البيانات والتحليلات للمجموعات ذات الميول اليسارية.

السياسة من خلال قاعدة البيانات

ترجع بداية التوسع في جمع البيانات إلى إعادة فرز الأصوات المُثير للجدل في ولاية فلوريدا خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2000، وهو ما تسبب فيه جزئيًا عدم اكتمال قوائم الناخبين. ومن أجل تجنب تكرار الأمر وإثارة الشكوك حول نتائج الانتخابات وافق الكونجرس الأمريكي في عام 2002 على قانون “مساعدة أمريكا على التصويت” أو “هافا” Help America Vote Act -HAVA.

وتضمنت نصوص القانون اشتراط توفير الولايات قوائم بتسجيل الناخبين على مستوى الولاية تتسم بأنها واحدة ومُوحدة ورسمية ومركزية وتفاعلية عبر الحواسيب. وفي الواقع تجاوزت آثار القانون ما تبدو عليه للوهلة الأولى، وفضلًا عن دوره في تحسين تقنيات قواعد البيانات، فقد سمح للأحزاب السياسية للمرة الأولى بالحصول على قائمة حديثة بجميع الناخبين.

وفي كتابه “قرصنة جمهور الناخبين” Hacking the Electorate، اعتبر المؤلف إيتان هيرش من “جامعة ييل” أن ذلك وضع أساس الاستهداف الفردي للناخبين. واستطاعت الحملات الانتخابية بعدها تحديد الناخبين بسهولة وربطت بينهم والمعلومات العامة الأخرى.

وأطلق “قانون مساعدة أمريكا على التصويت” ما يُمكن تسميته “السياسة من خلال قاعدة البيانات”، وتمتع فيها الحزب الديموقراطي بفضل الريادة. وفي عام 2006 أسس مسؤولون في الحزب شركة ربحية باسم “كاتاليست” Catalist، وتُوفر اليوم إحدى أكثر قواعد البيانات شمولًا عن المواطنين الأمريكيين ممن يحق لهم التصويت، وتُغطي أكثر من 240 مليون شخص.

وإلى جانب التسجيل الرسمي للناخبين، تتضمن قاعدة بيانات “كاتاليست” سجلات عامة أخرى ومعلومات من وسطاء البيانات من القطاع الخاص، ويضم كل سجل مئات المعلومات المتنوعة مثل العرق ومدى احتمالات اقتناء الشخص لسيارة دفع رباعي.

وعرّفت الرئيسة التنفيذية لشركة “كاتاليست”، لورا كوين، الشركة على أنها “مؤسسة تعاونية للبيانات” لحملات الحزب الديموقراطي والنقابات والمنظمات اليسارية. وتُقدم البيانات لعملائها نظير رسوم مالية، ويُمكنهم دمجها مع معلوماتهم الخاصة، بالإضافة إلى إمكانية الاستفادة من خبرة الشركة في التحليل. وتعتمد هذه الخبرة أساسًا على درجات إحصائية تتنبأ مثلًا باحتمالات تصويت شخص لصالح الديموقراطيين وذهابه إلى الاقتراع.

ولم يُرد الحزب الديموقراطي الاعتماد على قواعد بيانات خارجية، وعقب فوز الرئيس باراك أوباما قرر تأسيس قاعدة بيانات خاصة بالحزب، وتحمل اسم “فوت بيلدر” VoteBuilder، وتعتمد على مبدأ مُشاركة البيانات. وخلال الانتخابات التمهيدية يُمكن لجميع الحملات الديمقراطية المُتنافسة استخدامها وإضافتها إلى بياناتهم الخاصة التي يجمعونها طيلة السباق الانتخابي.

ويحتفظ كل طرف بمعظم المعلومات الخاصة على نحوٍ مُنفصل، إلا أن الحملات تتبادل أمورًا أساسية مثل تغيير الأسماء والوفيات، وبمجرد اختيار مرشح واحد لخوض الانتخابات الرئاسية تصبح الكثير من البيانات الخاصة جزءًا من البيانات المتاحة للجميع.

أما قاعدة البيانات المركزية للحزب الجمهوري “فوتر فوت” Voter Vault، فقد تطلبت قدرًا أقل من التعاون، وكثيرًا ما عانت من إهمال الحملات المُتصارعة، وتُصر كل حملة على إنشاء قاعدة بياناتها الخاصة، وتتعاون في كثيرٍ من الأحيان مع مزودين من القطاع الخاص.

وعقب هزيمة رومني في انتخابات 2012 وبدافع من التعاطف مع الميول المحافظة استثمر الأخوان تشارلز وديفيد كوتش، وهما من أصحاب المليارات، ملايين الدولارات في تأسيس “آي 360” i360 الربحية التي تتنافس مع “فوتر فوت”.

وفي كلا الحزبين كثيرًا ما يكون الحصول على قواعد البيانات مسألة حساسة من الناحية السياسية. وتكررت شكاوى المرشحين المعارضين داخل الحزب الديموقراطي في السباقات الانتخابية المحلية وعلى مستوى الولايات من استبعادهم، ويتطلب الأمر إظهار الحد الأدنى من التعاون للوصول إلى البيانات.

وبفضل جمع البيانات صارت الحملات تعرف الكثير جدًا عن الناخبين وسماتهم وميولهم، لكن الواقع قد يكون مختلفًا بحسب ما شرح هيرش في كتابه. ويرى أن الكثير من البيانات المُتاحة ولاسيما من النوع التجاري تحظى بقيمة قليلة في مساعدة الحملات على تحديد الناخبين الذين ستستهدفهم برسائلها. وتُمثل المعلومات السكانية الأساسية المُتوافرة في السجلات العامة الدليل الأفضل في الاختيار، ومنها العمر والعرق وتاريخ التصويت والانتماء الحزبي.

ووفقًا لهيرش، تُفسر أهمية المعلومات الديموغرافية العامة تأييد أغلب المشرعين السماح بسهولة الحصول على السجلات العامة. وفي عام 2012 اقترح أحد المُشرعين من ولاية يوتا منح الناخبين الحق في تحديد الجهات التي تحصل على بيانات حول تاريخ مولدهم، لكن الفكرة لاقت الرفض من قادة كلا الحزبين الرئيسين.

وبالإضافة إلى جمع الحملات والأحزاب لقواعد بيانات ضخمة، تتقدم الحملات بالكثير من الطلبات استنادًا إلى قانون حرية المعلومات وقوانين الولايات التي تُنظم الوصول إلى المعلومات الإدارية. ويرى هيرش في ذلك نوعًا من المُفارقة؛ إذ أن القوانين التي سُنت ظاهريًا لمساعدة المواطنين العاديين على متابعة تصرفات الحكومة، تبين أنها القوانين نفسها التي تُساعد الحملات السياسية على تتبع المواطنين العاديين. وتتمثل الشكوى الرئيسية لهيرش في تضارب المصالح الناشئ عن سيطرة الأحزاب على مصادر البيانات التي تستخدمها على نطاقٍ واسع.

إلى أي مدى يُؤثر توظيف البيانات على نتائج الانتخابات؟

هنا يبرز سؤالٌ مهم حول تأثير قواعد البيانات والخوارزميات المسؤولة عن البحث والتحليل في نتائج الانتخابات. وتُشير التقديرات الأخيرة إلى إمكانية إضافتها نسبة تتراوح بين نقطتين إلى ثلاث نقاط مئوية إلى نتيجة المُرشح. وقد يكون هذا حاسمًا في سباق مُتقارب، بينما قد لا يكون مصيريًا في سباق تشوبه العواطف والانفعالات كما قد يحدث بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون مثلًا.

ومع ذلك، فقد يزيد اعتماد كلينتون على التكنولوجيا أكثر مما هو عليه الآن. ويُرجع مات هندمان، من “جامعة جورج واشنطن”، ذلك إلى أن المرشحين الديموقراطيين غالبًا ما يُواجهون وقتًا عصيبًا مُقارنةً مع الجمهوريين في دفع مؤيديهم إلى التوجه إلى صناديق الاقتراع. ونظرًا لأن كلينتون لم تتمتع بحماسٍ كبير لترشحها في البداية، فقد تلقى صعوبة أكبر في دفع الناخبين إلى صناديق الاقتراع في نوفمبر/تشرين الثاني المُقبل.

وحتى إذا لم تلمس الأحزاب ميزات دائمة وحاسمة نتجة الاستعانة بالبيانات والتحليلات، يظل لزامًا عليها الاستثمار في التكنولوجيا لمواكبة منافسيها. وعلى الرغم من دور الإعلام الاجتماعي في إتاحة وصول الساسة مُباشرةً إلى الناخبين، لا تزال الأحزاب الكبيرة تتقدم على غيرها بقدراتها على توظيف الكفاءات التقنية وتمويل إجراء استطلاعات الرأي العام والإنفاق على الإعلانات عبر “فيسبوك”.

تهديد بتقليص الفضاء العام

يتخوف البعض من تأثير تحليل البيانات على الديمقراطية في الولايات المتحدة وخارجها. ولا يرى هيرش مشكلةً في استخدام البيانات طالما اقتصر الأمر على توظيفها لدفع الناخبين للاقتراع، دون أن يمتد إلى محاولة دفعهم إلى تغيير أفكارهم واتجاهاتهم.

ولا يتفق الجميع مع هذا الرأي، وترى الأستاذة المساعدة في “جامعة نورث كارولينا” الأمريكية، زينب توفيق، أن استهداف الناخبين برسائل مُخصصة بحسب شخصياتهم سيُقلص المجال أو الفضاء العام، الذي عرفه يومًا الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس كأساس للديمقراطية.

وكتبت توفيق أن هذا الشكل من السياسة الحاسوبية التي تُوظف البيانات الضخمة هو شكل خاص يُناقض في جوهره الفضاء المدني كمساحة عامة مشتركة. ويُضاف إلى ذلك مخاوف انتهاك الخصوصية، وفي شهر ديسمبر/كانون الأول الفائت نُشرت قاعدة بيانات تتضمن بيانات 191 مليون ناخب على شبكة الإنترنت.

ويعتقد راسموس كليس نيلسن، من “جامعة أوكسفورد” البريطانيةـ أن استهداف الناخبين على هذا النحو سيظل قاصرًا على الولايات المتحدة إلى حد كبير. وألف نيلسن كتابًا حول الحملات السياسية الأمريكية. وفي الواقع لا تُوجد أماكن أخرى في العالم تتمتع فيها المنظمات الحزبية بفرصة مُماثلة للحصول على هذا القدر من الأموال والبيانات والكفاءات التقنية، كما أن النظام السياسي الأمريكي يُلائم جيدًا التحليلات؛ نظرًا لأن الناخبين في مكاتب الاقتراع غالبًا ما يُواجهون خيارين فقط.

ومع ذلك، يبدو أن دولًا أخرى تسير على خطى الولايات المتحدة في هذا الشأن. وخلال الانتخابات الأخيرة في كندا خصص الحزب الليبرالي الجانب الأكبر من ميزانيته للإعلانات في مواقع الإعلام الاجتماعي بدلًا من الإعلانات التلفزيونية، كما استعان بخدمات “سيفيس أنالتيكس” التي وُلدت من رحم الحملة الانتخابية لأوباما في عام 2012.

وقال توم بيتفيلد، المسؤول عن الجانب الرقمي في حملة جاستن ترودو رئيس الوزراء الكندي المُنتخب، أن الحملة كانت تنشر إعلانًا في “فيسبوك”، وتُقيم رد فعل الجمهور ومن ثم تُعدل المحتوى وتختبر رد الفعل مُجددُا. وأضاف أن الحملة نشرت في بعض الأيام خمسين إعلانًا مُختلفًا، وسمح لها رد الفعل السريع بتقديم رسائل أكثر مرونة وتخصيصًا من الحملات المنافسة.

وفي بريطانيا ساعدت الإعلانات الموجهة في “فيسبوك” حزب المحافظين على الفوز بالانتخابات العامة في شهر مايو/أيار الماضي. وفيما يخص توظيف الإعلام الاجتماعي للتأثير على المناخ السياسي عمومًا، فلا يُمكن بأية حال اعتبار الولايات المتحدة نموذجًا فريدًا.

المصدر

مصدر الصور: 1 2