كيف تُؤثر ثورة الاتصالات على القيادة العالمية؟

تُحدث الثورة الصناعية الرابعة تغييرًا جذريًا في الكثير من المجالات، وربما يكون تأثيرها على الديمقراطية والرأسمالية أوضح من أي مجال آخر. ويعتمد كلاهما على حرية اختيار القادة والمنتجات والخدمات استنادًا على المعلومات المتاحة. وأبرزت تكنولوجيا الاتصالات الحالية أهمية المعلومات وتقديمها واستهلاكها وآثار تحريفها.

وبينما خضعت الاتصالات طيلة الوقت تقريبًا لسيطرة نخبة محدودة ابتداءً من الكتابة والأبجدية وصولًا إلى تطور الطباعة والهواتف والتلفزيون، تغير هذا مع ظهور الإنترنت وعالمنا بالغ الترابط الذي يصل أية مجموعة من الأشخاص في أي مكان وأي وقت بشكل مُتزامن. ويُضاف إلى ذلك انحسار شعبية وسائل الاتصال التقليدية على مستوى الأفراد والجماعات كالتراجع المُتواصل في قراءة الصحف المطبوعة ومشاهدة التلفزيون وخطوط الهواتف الثابتة.

وحتى سنوات قليلة مضت اعُتبر الإنترنت مجرد نسخة رقمية من وسائل الاتصال الأقدم مثل التلفزيون والراديو والصحف، لكن تطور أجهزة الهواتف ميسورة التكلفة وشبكات الإعلام الاجتماعي كشفت تكنولوجيا تُوفر التعاون والمشاركة على نحوٍ غير مسبوق عبر العالم في الوقت الحقيقي بين مجموعات تبدأ من شخصين وحتى ملايين.

ومثلًا تسمح منصات مثل “تويتر” و”يوتيوب” لأي شخص بتقديم رسائل ومعلومات إلى جماهير واسعة دون نيل موافقة تتحكم في وسائل الإعلام، الأمر الذي يُعيد رسم المسافات الفاصلة بين المُرسِل والمُستقبِل، ولم تعد باستطاعة السلطات التقليدية التحكم في التدفق غير المحدود من المعلومات عبر الفضاء الإلكتروني.

وتقود تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التغيير الجديد الذي عاد بالنفع على المجتمعات؛ فصار من الصعب إخفاء الفساد السياسي وعيوب المنتجات والخدمات. وفي الوقت الراهن تنتشر على الفور أخبار تغيب الساسة عن جلسات برلمانية أو تقديمهم وعود متضاربة. وفي حالة الشركات قد تتطور مشكلات تبدو طفيفة للوهلة الأولى إلى فضائح على الصعيد العالمي.

وفي ضوء تطورات عام 2016 على مستوى السياسة كاستفتاء انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب تُواجه الكثير من الافتراضات التقليدية حول الأخبار واستطلاعات الرأي والإعلان شكوكًا، الأمر الذي يُضيف المزيد من الضغوط على قادة الحكومات والأعمال للقيادة بكفاءة ومسؤولية وسط اضطرابات تعود إلى انتشار معلومات غير دقيقة.

ويُخالف هذا ما كان مُنتظَرًا من تطورات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وإسهامها في تحسين المعلومات كمًا وكيفًا، لكن اعتياد التكنولوجيا والثقة بها غيّر طرق التواصل وتبادل المعلومات. وساعدت الإمكانات الحالية كمواقع الإعلام الاجتماعي وخوارزمياتها الأشخاص الذين يتفقون في أساليب التفكير على التجمع معًا وتبادل معلومات ومقالات ربما لا تكون خاطئة لكنها تدعم رؤيتهم ومعتقداتهم دون عرض لوجهات النظر الأخرى، ما يقود إلى ما يُسميه علماء النفس الانحياز التأكيدي أي ميل الفرد إلى البحث عن معلومات وتفسيرها بطريقة تُؤيد ما يعتقده. وأسهم هذا في حركة شعبوية حوّلت الجغرافيا السياسية ونتائج انتخابات مهمة.

وفي الوقت الحاضر يدرس علماء ومتخصصون التأثيرات التالية على الاقتصاد والسياسة الدولية والهجرة والبيئة. وفي الواقع بدأ التغيير قبل فترة؛ فقبل عشرة أعوام سيطرت شركات النفط على المراكز الخمس الأولى ضمن أكبر شركات العالم، بينما الآن جميعها من شركات التكنولوجيا التي يتصل عملها بالمعلومات، ما يعني أن البيانات صارت النفط الجديد. ومثل النفط تُعد البيانات موردًا مليئًا بالمفاجآت والفرص.

وخلافًا للمرافق العامة التقليدية يُهيمن القطاع الخاص على البنية التحتية للاتصالات والإعلام والإنترنت، ما يُشير إلى تغير في موازين القوة بين القطاعين العام والخاص وتجاوز لحدود السيادة الوطنية ومزيد من التعقيد في دور الحكومات.

كما أنه علامة على ديمقراطية أوسع في الاتصالات سمحت لأي شخص بلعب دور المذيع وخبير استطلاعات الرأي والمحلل، وأتاحت لفئات مختلفة تنسيق جهودهم والتأثير الفعلي على المصائر الاقتصادية والسياسية، وأطلقت عصرًا جديدًا في تاريخ الاتصالات يخضع لتحكم الكثرة بدلًا من القلة. وينبغي على قادة اليوم إدراك أن ثورة الاتصالات ليست امتدادًا للطرق القديمة، بل ظاهرة جديدة كليًا كتبت أحداث العام المنصرم بدايتها فحسب.

المصدر

الصورة