كيف تُساعد مصابيح الشوارع والهواتف المحمولة في تحديد مواقع حوادث إطلاق النار؟

في ظل تكرار هجمات تُماثل ما حدث في باريس وبيروت ومالي ونيجيريا ومومباي وغيرها، يتعين على القوات المسؤولة عن تنفيذ القوانين ومكافحة الجرائم البقاء على أهبة الاستعداد طيلة الوقت للتدخل السريع، وقد يكون بمقدور بعض التكنولوجيا المُستخدمة في المدن الذكية وربما أيضًا الهواتف المحمولة المُساعدة الفعّالة في تحديد مواقع الحوادث وسرعة الاستجابة، بحسب ما تناول كريستوفر ميمز في مقال في صحيفة “وول ستريت جورنال” بعنوان “إنشاء إنذار حريق للهجمات الإرهابية”.

وعلى الرغم من أن مدنًا مثل لندن ونيويورك قد أنشأت فرق استجابة سريعة من قوات النخبة للتعامل مع الهجمات الإرهابية، لكن تبقى مشكلة كيفية تعرف السلطات سريعًا وبدقة على مواقع الهجمات. وفي الولايات المتحدة الأمريكية قد يتسبب نظام “911” لمكالمات الطوارئ نفسه في تأخر كبير في الاستجابة لهجمات تُشبه النمط الذي شهدته باريس.

ومن ناحية، تقل احتمالات أن يتصل بخدمات الطوارئ الأشخاص الأقرب إلى موقع الحادث، وهم الأفضل في وصفه، فمن المُحتمل أن ينشغلوا بالبحث عن ملجأ للحماية أو الفرار. ومن ناحية أخرى ربما لا يتمكن المتصلون الموجودون على مسافة أبعد من تحديد الموقع الدقيق للهجوم أو طبيعته، ويُضاف إلى عوامل التأخير طبيعة “911” ومحاولة المعنيين استخلاص معلومات مفيدة من أحاديث المتصلين المذعورين، والوقت الذي تستغرقه المكالمة للوصول إلى الجوانب المهمة، ونحو ذلك من الأسباب.

ويرى رالف كلارك، الرئيس والرئيس التنفيذي لشركة “إس إس تي” SST أن هناك سبيلًا أفضل للتعامل مع هذه الحوادث. وعلى مدى ما يقرب من عشرين عامًا، طورت شركته تكنولوجيا تحمل اسم “شوت سبوتر” ShotSpotter، وتُستخدم فعليًا في تسعين مدينة وضاحية في مُختلف أرجاء العاللم.

وتستفيد “شوت سبوتر” من مُكبرات الصوت المُتصلة بشبكة الإنترنت لتعيين الموقع الدقيق لحادث إطلاق النار أو الانفجار باستخدام طرق حساب الاتجاه، ومن ثم تُوفر رؤية إجمالية لحوادث إطلاق النار في الشوارع. ويُمكن لنظام “شوت سبوتر” إخطار السلطات خلال مدة تتراوح بين ثلاثين إلى خمس وأربعين ثانية بعد الطلقة الأولى في الهجوم، بينما يستغرق تحديد الهجوم بالوسائل التقليدية بضع دقائق، بحسب كلارك.

وفي الوقت الراهن وبسبب تكلفة تطبيق “شوت سبوتر”، اقتصر استخدامها على المناطق التي تشهد مُعدلات مرتفعة في حوادث إطلاق النار أي القليل من الكيلومترات المُربعة داخل المدن. لكن قد ينتشر استخدام “شوت سبوتر” ليشمل مدنًا بأكملها؛ بفضل تأثير القوى المعتادة للإنتاج المُصغر وتراجع التكاليف بالإضافة إلى اتفاق وقعته “إس إس تي” مُؤخرًا مع شركة “جنرال إلكتريك”، وفقًا لما قاله كلارك.

وتُعد مصابيح الشوارع العامل الرئيسي في هذا التطور. وتُركز “جنرال إلكتريك” على ترويج مُنتجاتها المُوجهة لقطاع المدن الذكية، وتقول أنه إذا ما كانت المدن تتجه إلى تحديث الأنظمة القديمة للإنارة في الشوارع واستبدالها بمصابيح “ليد”؛ بغرض التوفير في تكاليف الكهرباء واستبدال المصابيح، فيُجدر بها اختيار مصابيح للشوارع مُزودة بأجهزة استشعار تسمح لها بمُتابعة جوانب مختلفة من الحياة اليومية منها حركة المرور ونوعية الهواء.

وقال كلارك أن مع بداية المحادثات بين “إس إس تي” و”جنرال إلكتريك” اندهش من توافر المصابيح الذكية من “وحدة جنرال إلكتريك لأنظمة الإضاءة” على كل ما يلزمها لتتحول إلى أدوات استشعار لنظام “شوت سبوتر” من مُكبرات الصوت الرخيصة والبرمجيات.

وأشار كلارك إلى أن المدن الأوروبية عادةً لا تشهد حوادث العنف المسلح بمُعدل منتظم، لكنها تخشى أكثر التعرض لهجمات تُشبه ما جرى في مدينة مومباي الهندية في عام 2008، حين شهدت عدة هجمات شبه مُتزامنة ومتنوعة.

ويعتمد نظام “شوت سبوتر” على عمل مُكبرات الصوت طيلة الوقت على الاستماع لما حولها، ويُمكنه بالاستعانة بخوارزميات تعلم الآلة التمييز بين صوت إطلاق النيران والضوضاء المُحيطة، ويُرسل بيانات دقيقة بالصوت مصحوبة بالموقع الجغرافي والوقت إلى الخادم الرئيسي في السحابة، وبالتالي يُمكن استخدام هذه البيانات في التحديد الدقيق لمصدر الصوت طالما جرى تسجيله بواسطة ما لا يقل عن ثلاث مُكبرات للصوت.

واستهدف تطوير “شوت سبوتر” أصلًا مُساعدة الشرطة على الاستجابة السريعة والحد من حوادث العنف المُسلح وإطلاق النار في المدن الأمريكية، لكن حاليًا يُمكن تبنيها في مُختلف أنحاء العالم من أجل التعامل مع نوعٍ مُختلف جدًا من العنف المُسلح.

وأقر كلارك أنه ليس بمقدور هذه التكنولوجيا منع وقوع هجمات على غرار ما جرى في مومباي، لكن يُمكنها تقديم إنذار سريع جدًا ودقيق للحد من العواقب الناتجة عن استمرار المُهاجم في إطلاق النار. ويصف كلارك نظام “سبوت شوتر” كنظام إنذار الحريق لكن للطلقات النارية.

لكن إذا كان الحديث يجري عن تغطية “شوت سبوتر” لمدن بأكملها، فماذا عن إمكانية تطوير نظام يشمل العالم بأسره؟ يرى ديفيد براي، المحاضر الزائر حاليًا في “جامعة هارفارد” الأمريكية الذي عمل سابقًا مُستشارًا خاصًا لقوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان “إيساف”، أن ذلك قد يكون مُتاحًا من خلال توظيف مُكبرات الصوت المُتوافرة في الهواتف المحمولة التي يشيع استخدامها على نطاقٍ واسع، بما يُشكل نظام على غرار “شوت سبوتر” ويُمكن لمن يُريد المُساهمة فيه.

وتُوجد بالفعل الكثير من التطبيقات الذكية التي تستفيد من مُكبر الصوت في الهاتف، وإذا أُضيف انتشار المنارات التي تلتقط إشارات الهواتف، قد يصير من المُمكن تحديد مواقعها بمستوى من الدقة يصل الفارق فيه إلى سنتيمترات قليلة وحتى داخل المباني.

وبطبيعة الحال، يتطلب توفير مثل هذا النظام تعاون الجمهور وشركات مثل “جوجل” و”فيسبوك”. وفي الواقع يُظهر الدور الكبير لميزة “التحقق من السلامة” Safety Check التي أتاحتها “فيسبوك” في تواصل سكان باريس بعد الهجمات إلى إمكانات تحويل تكنولوجيا الهواتف المحمولة إلى نظام ميسور التكلفة ومرن وواسع الانتشار للتحذير من الهجمات الإرهابية.

ويلفت براي إلى تنفيذ مثل هذا النظام لن يكون سهلًا، وسيتطلب شراكات بين القطاعين العام والخاص. وفي ظل المخاوف المتوقعة على الخصوصية، ينبغي أن يكون هذا النظام مفتوح المصدر كليًا، بما يسمح لخبراء الأمن بالتحقق من احتمالات إساءة الاستخدام.

واختتم ميمز مقاله بالقول أنه من الصعب إغفال الحديث عن استخدام تكنولوجيا المحمول التي يحملها الناس في جيوبهم للتخفيف من الآثار المروعة في ظل عالم يُجبِر الجميع على استيعاب فظائع متواصلة.

مصدر الصورة