كيف تُسهِم المعايير المُوحدة للبيانات في بناء أنظمة أفضل للنقل؟

في قطاع النقل، كما في مجالات أخرى، تتزايد أهمية البيانات، وفي الوقت نفسه تتفرق مصادرها بين القطاعين العام والخاص، الأمر الذي يدفع الكثير من الأطراف المعنية للتعاون بهدف وضع معايير مُوحدة تضمن تحقيق الفائدة القصوى من البيانات.

وتتضمن تصورات المستقبل القريب في قطاع النقل والمواصلات استخدام السيارات ذاتية القيادة، وانتشار اتصالات السيارات مع البيئة المُحيطة سواءً بنية الطريق أو مع السيارات الأخرى، وتبادل الاتصالات بين القطارات والحافلات، واستخدام وسائل مواصلات متنوعة للتنقل بين نقطة وأخرى.

وتشترك هذه التصورات جميعًا في اعتمادها أساسًا على البيانات وتحليلاتها؛ إذ تربط البيانات بين الآلات وبعضها البعض، وكذلك بين الموارد والأشخاص الذين يحتاجون إليها، وبين المعلومات وآليات اتخاذ القرار.

ويومًا بعد آخر تتعدد مصادر البيانات. وعلى سبيل المثال ففي الولايات المتحدة الأمريكية يُتابع المسؤولون عن النقل سرعات المركبات بواسطة أجهزة استشعار في الطرق السريعة، وتجمع وكالات إدارة النقل معلومات عن الموقع الجغرافي في الوقت الحقيقي، وتُخزن تطبيقات الهواتف الذكية بيانات الموقع الجغرافي في خوادم خاصة، أما برامج الانتظار الذكي للسيارات فتنقل معلومات عن المساحات الشاغرة المُتاحة.

وتبدو جميع هذه البيانات في سبيلها للزيادة في ضوء تنامي أعداد أجهزة الاستشعار ووسائل الاتصالات. ويعني ذلك اختلاف سُبل جمع البيانات وتنسيقها، وهو ما يجعل من الصعب على أي جهة جمعها معًا والاستفادة منها.

ووصف ديتمار رابيل، رئيس منتجات القيادة المستقلة في شركة “هير” HERE  للخرائط، الوضع بأنه بمثابة تحدث كل شركة للسيارات لغة مُختلفة تمامًا عن الشركات الأخرى فيما يخص أجهزة الاستشعار والبيانات في السيارات.

ويُفسر ذلك سعي عدد من خبراء النقل في القطاعين الخاص والعام وبذلهم الجهد في محاولة إقناع مجموعة كبيرة من الأطراف ذات الصلة، سواءً في شركات التكنولوجيا الناشئة أو وكالات النقل المحلية في الولايات والمراكز الاتحادية، بوضع معايير تزيد من فائدة البيانات.

وبالنسبة لقطاع التكنولوجيا يُمثل امتلاك المعلومات في كثيرٍ من الأحيان أساس النموذج التجاري للشركة، ولذلك قد يصعب إقناع الشركات بأهمية التعاون مع منافسيها والأطراف الأخرى لوضع معايير توحيد البيانات، بحسب ما قال رابيل. وأضاف أن التعاون يُحقق نفعًا للجميع، وبرر ذلك بقوله: “في كلمة واحدة؛ إنه المدى”.

ويُفيد الانتشار الواسع لبيانات قطاع النقل فقط عند انتشارها حقًا، وتزداد قيمة التطبيقات والخدمات عند اتساع نطاق استخدامها؛ نظرًا لأن ذلك يكفل حصولها على قدرٍ أكبر من المعلومات لتحسين الدقة وصلاحية تطبيقها.

وتُقدم شركة “هير” مثالًا على ذلك، وتُطوّر خرائط ثلاثية الأبعاد إلى جانب خدمات أخرى تعمل على تحديثها باستمرار من أجل دعم القيادة الآلية أو المُستقلة. وقال رابيل أنه في ظل ظروف قيادة آلية من المهم استخدام أحدث الخرائط؛ بسبب التغيرات المُستمرة في الطرق، وهو ما يشمل الإشارات والجوانب الجمالية ووقوع الحوادث.

ويعتمد تحديث الخرائط على بيانات ترد من الكثير من المركبات، وفي الواقع تأتي من شركات مُختلفة تتنافس مع بعضها البعض حول المبيعات. وأوضح رابيل أن السيارات تُرسل البيانات إلى التخزين السحابي، حيث تجمعها “هير” وتُحدِّث الخرائط وتُرسل البيانات مُجددًا إلى المركبات.

وعلاوةً على ذلك، من المُمكن الاستفادة من البيانات التي تجمعها المركبات لتحديد مشكلات الطرق مُبكرًا. ومثلًا تُراقب السيارات المُزودة بأجهزة استشعار جودة طلاء الخطوط في الطرق وتُتابع سوء حالتها بمرور الوقت. وكذلك في حال حددت سيارة موقع إشارة السرعة في الطريق، وبعد مضي نصف ساعة لم ترصد سيارة أخرى الإشارة في الموقع ذاته، يُمكن حينها تنبيه المسؤولين وتحديد المدى الزمني الذي وقع فيه التغيير.

وسعيًا لتيسير جمع البيانات تقدمت “هير” بمُقترح لتوحيد البيانات يحمل اسم SENSORIS إلى منظمة ERTICO التي تجمع القطاعين العام والخاص. ويتناول أجهزة استشعار المركبات، ويحظى الاقتراح بدعم من بعض الشركات الرئيسية مثل “دايملر” و”إل جي إلكترونيكس” و”توم توم”.

ومن جانب الحكومة، يُدرك جريج سلاتر، رئيس اللجنة الفرعية حول البيانات في “الجمعية الأمريكية لمسؤولي الطرق والنقل في الولايات”، حجم المهمة. وأوضح أن كل ولاية أقرت قوانين تختلف في معاملة الأنواع المختلفة من البيانات، ولذلك فإن المعلومات التي يسهل الوصول إليها في ولاية ربما يتعذر الإطلاع عليها في أخرى بحجة الخصوصية، وقد تجمع كل ولاية البيانات بطريقة تختلف عن غيرها.

ويتطلب تمرير البيانات إلى مرحلة تسمح بجمعها مع بيانات الولايات الأخرى بذل الوقت والموارد والتمويل المالي، كما لن يكون تغيير الولايات أساليبها في جمع البيانات يسيرًا، وتستغرق التعديلات بضعة أعوام، بحسب سلاتر.

ومع ذلك، لفت إلى قيمتها التي لا يُمكن إنكارها. وعلى سبيل المثال إذا ما قررت وكالة مسؤولة النقل وضع خطة تطوير لطريق سريع، فستحتاج إلى معلومات عن الازدحام والسلامة والبنية التحتية. ويشمل التعرف على مستوى الازدحام جمع بيانات عن أماكن معيشة السكان وعملهم واحتياجاتهم في التنقل وغير ذلك.

وتسترشد القرارات بهذه المعلومات لتحديد الأماكن الأكثر حاجة إلى المال والوقت، وأي المشروعات أكثر فعالية في تلبية احتياجاتها. ويتطلب التخطيط الفعّال على المدى الطويل جمع المزيد من البيانات.

وهناك بالفعل بعض البيانات الحكومية المُوحدة والقياسية وهي بيانات وسائل النقل العام، بحسب ما قال ميشال ميجورسكي، نائب الرئيس لشؤون المنتجات في “مابزن” Mapzen  للخرائط والرئيس التنفيذي السابق للتكنولوجيا في منظمة “كود فور أمريكا” غير السياسية والرامية لدعم استفادة القطاع الحكومي من التكنولوجيا.

وقال ميجورسكي أن وكالات النقل اعتمدت معيارًا باسم General Transit Feed Specification. واستفادت “مابزن” من ذلك لإطلاق خدمة توجيه مفتوحة المصدر تضع النقل العام جنبًا إلى جنب مع وسائل المواصلات الأخرى. ويعني ذلك ضمنًا بيانات تتجاوز وسائل النقل العام ومنها حدود المدينة وأسماء الأماكن والعناوين، وليس من المضمون بحال توافر ذلك كله في أشكال موحدة وسهلة الاستيعاب.

وتابع ميجورسكي أنه بينما يبدو من الصعب إقناع مُختلف الأطراف بإنجاز الأشياء بالطريقة ذاتها، فإن ذلك سيُسهل مهام الجميع على المدى الطويل. وأعرب عن اعتقاده بمنافع تحويل المنتجات إلى سلعة أو منتج رائج يُمكن تداوله، وهو ما يتحقق من خلال التوحيد. أما عن السبيل لبلوغ ذلك، قال سلاتر أن البداية تكون بالنقاش بين الجميع من المؤسسات الحكومية إلى المطورين والشركات ومختلف الأطراف ذات الصلة.

المصدر والصورة