كيف تُنفذ الحكومات التحول الرقمي؟

مع استعانة الشركات بالتقنيات الرقمية وتنافسها على تقديم أفضل الخدمات، يتوقع المواطنون خدمات حكومية بنفس المستوى. وبمقدور التحول الرقمي مساعدة الحكومات على تلبية توقعات المواطنين والشركات حتى مع الميزانيات المحدودة. وتُشير تقديرات شركة “ماكينزي” للاستشارات إلى إمكانية توفير التحول الرقمي بالتقنيات الحالية للحكومات أكثر من تريليون دولار سنويًا على مستوى العالم.

ويتطلب التحول الرقمي مراعاة اعتبارين؛ أولهما الإمكانات الأساسية لضمان مشاركة المواطنين والشركات، وثانيهما العوامل التنظيمية المساعدة.

أولًا: المقدرات الأساسية للحكومة الرقمية:

  1. الخدمات: تستعين الحكومات بالأدوات الرقمية لتحسين تعاملاتها مع المواطنين والقطاع الخاص، وركز أغلبها في البداية على الأنشطة كبيرة الحجم. ومثلًا بدأت المملكة المتحدة برنامجها للتحول الرقمي بخمس وعشرين خدمة منها تسجيل الناخبين. ويعتمد نجاح الخدمات الرقمية على فهم الحكومات لرؤية المواطنين واستعدادها لتعديل السياسات والمنتجات النهائية لتتوافق مع تفضيلاتهم مثل تقديم الخدمات عبر تطبيقات الهواتف الذكية.
  1. العمليات: يُقدم التحول الرقمي للعمليات الداخلية أكبر المكاسب للإنتاجية ويتضمن في الوقت ذاته تحديات صعبة. وكما هو الحال مع تحديث الخدمات، ينبغي على الحكومات البدء بالتحويل الرقمي للعمليات كبيرة الحجم وباهظة التكلفة، كما أن عليها الاهتمام بتبسيط الإجراءات الداخلية.
  2. القرارات: تستفيد المؤسسات الحكومية من تحليلات البيانات الضخمة في مجالات مختلفة كالدفاع والسلامة العامة والرعاية الصحية. ومثلًا حلل مكتب الضرائب الأسترالي عائدات الضرائب لأكثر من مليون مشروع صغير ومتوسط الحجم، ووضع مقاييس لكل قطاع يستخدمها حاليًا لاكتشاف التناقضات والبلاغات الكاذبة عن الدخل. كما تستطيع الحكومات توظيف خوارزميات وأنظمة معقدة للتحليلات تستقي البيانات من مصادر متعددة لاقتراح التغييرات في الوقت الحقيقي.
  1. تبادل البيانات: تُعزز الشفافية ونشر البيانات ثقة المواطنين في حكومتهم. ويُفيد توحيد سجلات المعلومات العامة. وتقول هيئة الضرائب في المملكة المتحدة أن استخدامها أداة رقمية لربط البيانات من أكثر من ثلاثين مصدرًا ساعدها في إضافة ثلاثة مليارات جنيه إسترليني إلى عائدات الضرائب منذ عام 2008. وتمتلك حكومة إستونيا منصة “إكس-روود” X-Road للتبادل الآمن للبيانات بين المؤسسات الحكومية، وتسمح للشركات بالاتصال بها.

ثانيًا: عوامل نجاح الحكومة الرقمية:

  1. الاستراتيجية: تتضمن أساليب ترسيخ المفاهيم الرقمية في الاستراتيجيات الحكومية المواءمة بين أهداف التحول الرقمي والأولويات العامة للحكومة، ويتضح ذلك في تصميم حكومة الدنمارك استراتيجيتها الرقمية للفترة بين 2011 إلى 2015 لتدعم خطتها لخفض النفقات، الأمر الذي ساعد على سرعة تنفيذ الاستراتيجية ونجاح برنامج الحكومة في التوفير. وكذلك التقييم المنتظم لنجاح البرامج الرقمية وتعديلها بحسب الظروف الجديدة، بالإضافة إلى انتباه الحكومات كي لا تغفل الخدمات الرقمية الجديدة بعض فئات السكان.
  1. الإدارة والتنظيم: من المهم إسناد مهمة وضع الاستراتيجيات إلى إدارة واحدة لتجنب المشكلات الناجمة عن رغبة كل مؤسسة في العمل المُستقل، كما يُعزز التعاون الداخلي في كل إدارة فرص نجاح الخدمات الرقمية.
  2. القيادة والكفاءات والثقافة: تضطلع القيادات الحكومية بأدوارٍ هامة في المبادرات الرقمية، وتستطيع حشد العمالة الفنية المتخصصة سواءً بالاستثمار في تحسين إمكانات مواردها البشرية أو الاستعانة بكفاءات خارجية، ويتضح ذلك في إطلاق الحكومات برامج زمالة قصيرة الأمد وتنظيمها ملتقيات تجمع المطورين والمصممين.
  3. التكنولوجيا: لا يتطلب التحول الرقمي بالضرورة تغييرات كبيرة في بنية تكنولوجيا المعلومات، وأحيانًا تكفي الإضافات التدريجية. وتستفيد الحكومات كثيرًا من تبادل المعرفة والتكنولوجيا، وعلى سبيل المثال تختبر فنلندا استخدام منصة “إكس-روود” من إستونيا، وتتعاون المملكة المتحدة وإستونيا في برنامج “تِك لينك” TechLink لتبادل المعرفة حول الأمن الإلكتروني والمدن الذكية.

وبالتأكيد لا تخلو مشروعات التحول الرقمي من التحديات، وتحتاج أولًا الالتزام برؤية شاملة للحكومة الرقمية، ثم تطوير الخطط اللازمة وتنفيذها وتوفير العوامل الحقيقية المساعدة على النجاح. وبعدها تجني الحكومات ثمار التحول الرقمي كتخفيف الضغوط على الميزانية وتحسين نوعية الحياة لمواطنيها.

المصدر

الصورة