رحلة الكشف عن أسرار كوكب بلوتو

نستطيع اليوم تحميل فيلم من الإنترنت تزيد مساحته قليلًا عن 6 جيجابايت خلال دقائق معدودات، لكن فريق مركبة “نيو هورايزونز” New Horizons الفضائية في محطة التحكم على الأرض استغرق أكثر من 469 يومًا لاستقبال البيانات التي جمعتها المركبة عن كوكب بلوتو على بعد أكثر من ثلاثة مليارات ميل، وفي الخامس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي وصل آخر جزء من البيانات إلى أحد أطباق الاستقبال الخاصة بوكالة “ناسا” التي تستقبل موجات الراديو من الفضاء العميق.

وحلقت “نيو هورايزونز” على ارتفاع منخفض بالقرب من كوكب بلوتو، وزُودت المركبة بأدوات متنوعة سمحت لها بإنجاز مهمتها قريبًا من الحدود الخارجية لمجموعتنا الشمسية، ومنها القدرة على التصوير الطيفي المتعدد وجمع الغبار والجزيئات من الفضاء.

وباح بلوتو لمركبة “نيو هورايزونز” بالكثير من أسراره، وشكلت البيانات التي بعثت بها المركبة إلى الأرض نقلةً نوعية في فهم العلماء لهذا الكوكب القَزَم الذي يُعد واحدًا من أكثر الأجرام تطورًا وتعقيدًا داخل نظامنا الشمسي، ودونها كانت السطحية والضبابية يطبعان معرفة البشر عن بلوتو. وأظهرت الصور جبالًا جليدية وسهول من النيتروجين المتجمد وطبقات من الضباب وأدلة على نشاط تكتوني لمدة 4.5 مليار عام.

وانتهت “نيو هورايزونز” من جمع البيانات في الخامس عشر من يوليو/تموز من عام 2015. وبعدها سعى فريق البحث إلى نقل جميع البيانات إلى الأرض بأسرع ما يُمكن، بحسب ما قالت أليس بومان، مديرة عمليات بعثة المركبة “نيو هورايزونز”.

لكن هذه المهمة لم تكن أبدًا بسهولة نقل الملفات من حاسب إلى آخر؛ إذ أن كل بِت bit أو أصغر جزء من البيانات مُسجل في ذاكرة المركبة نسبةً إلى الوقت الذي تم التقاطه فيه. وأجري المهندسون على الأرض الكثير من الحسابات الدقيقة سعيًا لتجميع معلومات مفهومة من أجزاء البيانات التي تبعث بها المركبة، كمن يجمع قطع متناثرة لأحجية، وأعقبت عملية التجميع مجموعة أخرى من الاختبارات التي تضمن جودة المعلومات.

التقطت المركبة "نيو هورايزونز" أكثر الصور وضوحًا لكوكب بلوتو وأحدثت بياناتها نقلة نوعية في فهم الكوكب القَزم

التقطت المركبة “نيو هورايزونز” أكثر الصور وضوحًا لكوكب بلوتو وأحدثت بياناتها نقلة نوعية في فهم الكوكب القَزم

ومثلت هذه العملية تحديًا كبيرًا، ولاسيما في ظل وجود مركبات أخرى في الفضاء تتبع وكالة “ناسا” تُرسل هي الأخرى بياناتها إلى الأرض، وقد يحدث نوع من التداخل، ولذلك كرر الفريق إرسال طلبات مُباشرة إلى “نيو هورايزونز” للتأكد من استقبال جميع البيانات.

وقال آلان سترن، الباحث الرئيسي للمهمة: “واصلت نيو هورايزونز إمدادنا بالبيانات أسبوعيًا لأكثر من عام ونصف العام”. وبينما عامل سترن مختلف أجزاء البيانات بعناية فائقة، إلا أن لبعضها قيمة خاصة فاقت بقية البيانات، وأهمها أول صورة عالية الوضوح لبلوتو فاقت دقتها ألف مرة الصور التي يلتقطها مرصد هابل، وكذلك صورة أخرى تُظهِر الغلاف الجوي لبلوتو كحلقة زرقاء من حوله، تُعادل قيمة الصورة الأيقونية التي التقطتها مركبة أبولو للأرض في رحلتها الفضائية في ستينيات القرن الماضي.

ونجح فريق بعثة “نيو هورايزونز” في كشف غموض نحو 80% فقط من البيانات التي أرسلتها المركبة، وسيتطلب إتمام هذه المهمة جيلًا تاليًا من علماء الكواكب. ودون شك تُمثل هذه الرحلة وصورها وبياناتها إلهامًا للكثيرين، وقد تُلهم طفلًا في العاشرة من عمره ليصير عالمًا يُحلل بيانات “نيو هورايزونز” ويكشف المزيد من أسرارها، ويستخرج المزيد من الحقائق، أو قد يلعب دورًا فيما سترسله “نيو هورايزونز” من بيانات عن هدفها التالي؛ هو أحد الأجرام التي تسبح في حزام كويبر الذي يتكون من صخور وأجسام متجمدة من بقايا تكون نظامنا الشمسي قبل مليارات السنوات.

المصدر