كيف ستُؤثر التكنولوجيا على المؤسسات الاستثمارية؟

بمقدور ابتكارات وتقنيات تُطورها الشركات الناشئة تحويل قطاع الاستثمار، وأن تُوفر للمؤسسات الاستثمارية تقييمًا أفضل وأدق للفرص والمخاطر. وتتوقع صناديق التقاعد والثروة السيادية والأوقاف تطورات كبيرة في تكنولوجيا الاستثمار، دون أن يُطبق أيٌ منها خططًا واضحة للتعاون مع الشركات الناشئة التي ستُقدم الجيل التالي من تكنولوجيا الاستثمار، ويقتصر تعاملهم غالبًا على المؤسسات التقليدية المعروفة.

ولا تخفى أهمية نجاح الاستثمار المؤسسي من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية؛ فهو ضروري لتنمية الأصول المادية لتمويل معاشات التقاعد ومشروعات التعليم والبحث العلمي التي تدعمها الأوقاف وصناديق الثروة السيادية ونحو ذلك، وهي مؤسسات تمتلك النصيب الأكبر من رأس المال المُستَثمر عالميًا، وتصل قيمة أصولها إلى سبعين تريليون دولار، وباستطاعتها التأثير على حركة الأسواق في الدول المتقدمة.

وتعتمد أكبر المؤسسات الاستثمارية على تقييم مجموعة متنوعة من الوسطاء لأنشطتها. وتُحيط هذه المؤسسات قيود تمنعها من تمويل العمليات الفعلية على الرغم من أن القيام بذلك ربما يُؤمن لها عائدات أكبر ويُقلل المخاطر. كما يحصل الوسطاء على رسوم باهظة بينما تُحقق الاستثمارات عائدات غير ثابتة وكثيرًا ما تكون مُخيبة للآمال.

ومثلما لا تنتبه المؤسسات الاستثمارية الضخمة لتكنولوجيا الاستثمار، لا تهتم الشركات الناشئة كثيرًا بالاستثمار المؤسسي، وهو مجال مُؤهل لتغييرات جذرية ومُؤثرة. وفي الآونة الأخيرة نالت التكنولوجيا المالية شعبية كبيرة في أوساط ريادة الأعمال والشركات الناشئة، لكنها ركزت أساسًا على المستهلكين الأفراد بتقنيات تُيسر المدفوعات والإقراض والتمويل الجماعي.

ويعني ذلك أن الجيل التالي من تكنولوجيا الاستثمار سيصدر من شركات لم تُركز -على الأقل في بدايتها- على التطبيقات المالية، وربما تكون قد بدأت مسيرتها باهتمامات أخرى. ويتزايد إدراك طائفة من الشركات الناشئة لفرص الاستفادة من إمكانات الكشف والاستقراء الخارجي للبنية التحتية الرقمية والمادية في مجال الاستثمارات والأعمال، ويتجلى ذلك في أكثر من اتجاه:

أولًا: تُوفر الكثير من الشركات الناشئة مصادر غير تقليدية للبيانات، ومثلًا تستخدم شركة “أوربيت إنسايت” Orbital Insight شبكة عالمية من الأقمار الاصطناعية وخوارزميات الرؤية الآلية لمتابعة حركة المرور في مرائب السيارات ضمن متاجر التجزئة، وحمولات المركبات عند مغادرة مواقع التنقيب، ووتيرة إنشاء المباني الجديدة وغيرها. ومن شأن توافر هذه البيانات الدقيقة والآنية أن يُيسر على المؤسسات الاستثمارية تقييم المخاطر والأداء.

ثانيًا: تُحسِّن خوارزميات التعلم العميق دقة الاستدلالات التي تتوصل إليها المؤسسات الاستثمارية. وتُوفر شركات مثل “سكايمايند” Skymind أدوات تُقدم معالجات معمقة لبيانات تقليدية مثل التقارير السنوية للشركات، وترصد المخالفات والتناقضات التي قد تُؤشر على الاحتيال أو قصور الأداء.

ثالثًا: تُساعد تكنولوجيا البحث في مواقع الإعلام الاجتماعي وغيرها من البيانات الدلالية على التوصل لتقييم أدق للأصول المعنوية للشركات مثل ولاء المستهلكين وقيمة العلامة التجارية، وسيصير فهم هذه الفرص والمخاطر جزءًا من أدوات المؤسسات الاستثمارية.

رابعًا: بفضل انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي وسهولة استخدامها، صار التحقق من الاتفاقات أسهل بالنسبة للمؤسسات المالية. وبدلًا من الاضطرار للثقة التامة بالتقارير الذاتية للشركات، بمقدورها طلب الكشف عن المعلومات الأكثر تأثيرًا على الأداء.

ويُتوقع تنامي التواصل قريبًا بين المؤسسات الاستثمارية والشركات الناشئة، وهو أمر سيُفيد الطرفين، وربما تتمكن الشركات الناشة من الحصول على نصيب من تريليوني دولار تنالها حاليًا صناديق التحوط، وهو مبلغ يتضاءل أمامه نحو 78 مليار دولار ضخها رأس المال المُغامر في الشركات الناشئة خلال العام الماضي.

وعلاوةً على ذلك، سيُغير توظيف المؤسسات الاستثمارية للابتكارات مجال التمويل كليًا وبطرق تصب في صالح المواطنين والمؤسسات التي تمتلك هذه الاستثمارات أصلًا، كما ستتحول تمامًا أسايب تقييم الشركات وتخصيص رؤوس الأموال.

المصدر والصورة