كيف ستُؤثر المركبات ذاتية القيادة على الحياة في المدن؟

تحولت السيارات ذاتية القيادة من تصورات الخيال العلمي إلى جزءٍ من الواقع وتطور لا مفر أمام المدن وصناعة السيارات والأفراد من تقبله والتوافق معه عاجلًا أم آجلًا، ومثلًا أطلقت شركة “أوبر” برنامجًا تجريبيًا لاستخدام السيارات ذاتية القيادة في مدينة بيتسبرغ الأمريكية، وفازت مدينة كولومبوس في منافسة المدن الذكية لتطوير أنظمة ذكية للمواصلات، وقدمت ولاية كاليفورنيا لوائح تُنظم عمل المركبات ذاتية القيادة في الطرق.

وتُسارع شركات السيارات لاقتناص هذه الفرصة، وتستهدف “فورد” و”بي إم دبليو” و”فولفو” طرح سيارات ذاتية القيادة بحلول عام 2021 أو قبل ذلك. وتتوقع كريستين شوندروف، المديرة التنفيذي للمواصلات الآلية في “إرنست ويونج” للاستشارات، منع القيادة البشرية للسيارات في مراكز المدن المزدحمة وفي الجامعات والمطارات في غضون خمسة أعوام.

وبالتأكيد سيُسهِم هذا التغيير في إعادة تشكيل الحياة اليومية المُعتادة منذ عقود. ويري بيتر ميسكوفيتش، المدير الإداري للاستراتيجية والابتكار في شركة “جيه إل إل” لإدارة الاستثمارات في قطاع العقارات، أن للمركبات ذاتية القيادة آثار هائلة على البشر والبنية التحتية والمدن في الولايات المتحدة، ويستطيع الركاب توظفيها كمساحات للعمل بما يُعزز إنتاجية رحلات التنقل اليومية إلى العمل.

وتوقع تقرير لشركة “ماكينزي” توفير السيارات ذاتية القيادة خمسين دقيقة يوميًا لركابها، وبذلك تُقدم لهم فرصًا أفضل للعمل وتوازن أكبر بين الحياة الشخصية والعملية. كما ستُيسر المركبات ذاتية القيادة قدرًا أكبر من استقلالية الحركة لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، وترفع قيمة العقارات في المناطق التي لا ترتبط بالمواصلات العامة.

وسيتضح تأثير السيارات ذاتية القيادة على المراكز التجارية وسط المدن التي تندر فيها المساحات الشاغرة. وقال ميسكوفيتش أن استخدام المركبات ذاتية القيادة سيُقلل الحاجة إلى ساحات انتظار السيارات، وسيصير من المُمكن استغلالها للصالح العام وتحسين إمكانات العيش في الكثير من المدن، كما ستزيد قيمة العقارات الخاصة وسيتمكن أصحابها من تحصيل الإيجارات على استخدام مساحات طالما شغلها انتظار السيارات. ومن شأن هذه الخطوات جميعًا أن تجعل من المدن أكثر قابلية للعيش وأقل تركيزًا على السيارات وتسمح بزيادة مساحات الأرصفة للمشاة.

وسيتطلب انتشار السيارات ذاتية القيادة تغييرات كبيرة في تصميم المباني، كما يرى جيم بوتشر، مؤسس “إنتجرا بارتنرز” للاستشارات، ومنها ضرورة استيعاب المركبات الكهربائية ذاتية القيادة، وسيكون على المهندسين المعماريين والمخططين إدراج أماكن محطات شحن السيارات الكهربائية وإمكانات الاتصال بالإنترنت لضمان نجاح المشروعات العقارية الجديدة.

ولا يعني الحديث عن تأثير السيارات ذاتية القيادة في المستقبل القريب نجاحها التام في إثبات قدراتها ونيلها القبول اللازم. وحتى الآن تُؤكد شركات تختبر مركبات ذاتية القيادة مثل “جوجل” و”تسلا” أن مركباتها لست مستقلة تمامًا، كما سيضع بعض المصنعين في السيارات ذاتية القيادة قيودًا على القيادة المستقلة أو سيُقصرون عملها على مناطق جغرافية مُحددة.

وتُوجد الكثير من التساؤلات عن كيفية التفاعل بين المركبات ذاتية القيادة وتلك التي يقودها البشر، بالإضافة إلى تساؤلات حول تحديد المسؤولية القانونية وتنظيم وثائق التأمين.

ويرى ميسكوفيتش أن انتشار السيارات ذاتية القيادة سيكون أكثر أمنًا للجميع، وحينها ستتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة وشبكات إنترنت الأشياء إدارة البنية التحتية الآلية. وتوقع انطلاق تجارب أخرى في مدن أمريكية أخرى تتمتع ببنية تحتية جيدة، وإن كانت التجارب ستزداد تعقيدًا في مدن تُعاني من شيخوخة البنية التحتية والخدمات. وعلاوةً على ذلك، من الضروري أولًا إقناع المتشككين والمترددين حيال تسليم قيادة السيارات إلى آلات وحواسيب، وهي أمور ستستغرق وقتًا أطول مما يتوقعه كثيرون اليوم.

المصدر

الصورة