كيف ستُؤثر “بلوك تشين” على الحياة اليومية والاقتصاد؟

تَعِد التقنيات والاتجاهات الحديثة بتغيير وجه الحياة في عالم اليوم، ومنها السيارات ذاتية القيادة والاقتصاد التشاركي والحوسبة السحابية و”بلوك تشين”، ولكلٍ منها أهميته، لكن اجتماعها معًا هو ما سيُنشئ قيمة حقيقية ويدفع الابتكارات إلى الأمام.

وعلى سبيل المثال ربما يُهدد الجمع بين “بلوك تشين” والاقتصاد التشاركي نماذج عمل حديثة وناجحة مثل “أوبر” و“إير بي إن بي”. ويعتمد نجاح الشركتين وأمثالهما على الاستفادة من أصول يمتلكها المستهلكون ويدفعون تكاليف استخدامها. وأسست هذه الشركات منصات رقمية تُقدم الفائض من احتياجات المستهلكين إلى غيرهم، وتجمع الطرفين في مكانٍ واحد مُقابل حصولها على نصيبٍ من الإيرادات، كما تحصل على قدرٍ هائل من البيانات الثمينة تُحقق لها مكاسب تجارية لاحقة.

وبمقدور تكنولوجيا “بلوك تشين” التي تعتمد على التعامل من الند إلى الند أو من النظير إلى النظير دون سلطة مركزية القضاء على دور الأطراف الخارجية أو الوسطاء، مثل “أوبر”، وإتاحة التعامل المباشر والآمن من مقدم الخدمة إلى المستخدم ضمن هيكل إداري مُوزع.

ويُمكن اعتبار “بلوك تشين” الجيل الثاني من شبكة الإنترنت، وتُمثل إنترنت القيمة بدلًا من إنترنت المعلومات. وتسمح للموردين والمستهلكين والمنافسين بالاشتراك في سجل غير مركزي عبر شبكة من الحواسيب دون الحاجة إلى سلطة حاكمة. ولا يقتصر دورها على العملات الرقمية والتعاملات المالية، بل يُمكن استخدامها لتسجيل الملكيات العقارية والفكرية والإلكترونية وغيرها، ولا يستطيع أي طرف التلاعب في السجلات، وتكفل خوارزميات مُتطورة سلامة البيانات والتصديق على المعاملات.

وتتجلى أهمية “بلوك تشين” في اعتماد المعاملات على الثقة ونقلها الإدارة من مؤسسات خارجية وسيطة، تعتمد سلطتها على اكتسابها ثقة جميع الأطراف، إلى تعاون مباشر بين مستخدم وآخر واتفاقات مُشفرة تقوم على خوارزميات وتعليمات برمجية.

وتسمح هذه الثقة بتشكيل مجموعات مستقلة يحكمها مقدمو الخدمات، ويحصلون على قيمة أكبر من عملهم باستثناء تكاليف التشغيل، دون الاضطرار إلى المرور عبر قنوات وسيطة تنال جزءًا من أرباحهم، كما يتحكمون في المنصة ويتخذون القرارات.

وهناك نماذج واقعية منها “أركيد سيتي” Arcade City وهو مجتمع عالمي لتقديم خدمات الند للند من خلال “بلوك تشين”، ويُوفر خدمة مشاركة السيارات. ومن أجل طلب سيارة يحتاج المستخدم لشراء عملات رقمية ونشر طلبه والالتزام بدفع ثمن الرحلة، وبعدها يُعلن سائق التزامه بالعمل وقبول العرض، وبعدما يُقر المستخدم بإتمام الرحلة يصل الثمن إلى حساب السائق.

وتُخطط “أركيد سيتي” لإضافة خدمات مثل التوصيل وتأجير المنازل لفترات قصيرة، ويجمع المشروع، بحسب موقعه على الإنترنت، بين الاقتصاد التشاركي و”بلوك تشين” والمصادر المفتوحة. وسيتولى فريق إدارة الخدمة لثلاثة أعوام قبل أن تعمل كليًا بطريقة لامركزية.

ومن الممكن تطبيق المبدأ نفسه في قطاعات أخرى، ومثلًا تختبر شركة ناشئة للطاقة في أستراليا استخدام “بلوك تشين” للسماح للمستهلكين بعرض الفائض من إنتاج الطاقة الشمسية في منازلهم إلى غيرهم دون تحكم من سلطة مركزية أو تدخل شبكات الطاقة التقليدية.

ويُثير التطور السريع في تكنولوجيا “بلوك تشين” تساؤلات أكثر مما يُقدم إجابات شافية، ويدفع للبحث في سبل تأسيس نظام شفاف للإدارة، ووسائل ضمان الأمن والسرعة وتكاليف التشغيل وصياغة اللوائح المنظمة.

وكما هو الحال مع غيرها من التقنيات التي أحدثت تحولًا جذريًا سيُؤدي توسع استخدام “بلوك تشين” إلى خسائر للبعض ومكاسب لآخرين، وربما سيتمكن الجميع من الوصول إلى البيانات الناتجة عن أنشطة المستهلكين وتتحكم فيها اليوم مراكز محدودة، وقد يصير باستطاعة الأفراد الاستفادة المالية من بياناتهم.

ومن خلال اكتشاف طرق جديدة للاستفادة من “بلوك تشين” يُمكنها التحول إلى نظام تشغيل غير مرئي وواسع الانتشار للمدن يُحسِّن قدرة المواطنين على الوصول إلى السلع والخدمات والفرص الاقتصادية، لكن يتعين الانتظار لنضج التكنولوجيا بالقدر الكافي ومعرفة ما إذا كان الواقع سيرقى إلى مستوى التطلعات الحالية.

وتُواجه “بلوك تشين” الآن وضعًا شبيهًا بالإنترنت في منتصف التسعينيات، وحينها لم يتصور كثيرون مختلف آثار الإنترنت. وكذلك ستتضح حقيقة إمكانات “بلوك تشين” بمضي الوقت وهدوء الضجيج والتعلم من التجارب الفعلية.

المصدر

الصورة