كيف ستُؤثر تكنولوجيا “بلوك تشين” على الاقتصاد التشاركي؟

تجتمع الشركات الكبيرة في عالم الإنترنت، مثل “جوجل” و”فيسبوك” و”أوبر” و”إير بي إن بي”، على الاستفادة من إسهامات المستخدمين كوسيلة لإنشاء المحتوى وجني الأرباح. وخلال الأعوام العشرين الماضية تحول الاقتصاد تدريجيًا من النموذج التقليدي للمؤسسات المركزية التي تُقدم حصرًا خدماتها إلى المستهلكين إلى مؤسسات غير مركزية تجمع الموارد والخدمات من عددٍ كبير من الأشخاص لإيصالها إلى مجموعة أكبر وأكثر نشاطًا من المستهلكين. ويُؤشر هذا التحول على بداية جيل جديد من المؤسسات لا تعتمد على مكاتب أو أصول مادية أو حتى موظفين.

ومن بين عيوب هذا النموذج الاقتصادي أنه في معظم الحالات لا يجري توزيع القيمة الناتجة بالتساوي بين المساهمين في إنتاجها، ويستحوذ مشغلو المنصات وكبار الوسطاء على النصيب الأكبر من المكاسب. لكن بمقدور تكنولوجيا “بلوك تشين” الإسهام في تعديل هذا الاختلال من خلال تيسير التفاعلات المباشرة والآمنة بين مختلف الأطراف بطريقة غير مركزية ودون الحاجة إلى وسطاء.

ويتمثل التغيير الأهم والأكثر تأثيرًا لتكنولوجيا “بلوك تشين” في إتاحتها تشغيل البرمجيات بطريقة آمنة وغير مركزية دون الحاجة إلى وجود خادم مركزي، بل تعمل ضمن شبكة من الند إلى الند لا تخضع لسيطرة طرف واحد. وبمقدور التطبيقات المعتمدة على “بلوك تشين” تنسيق أنشطة عدد كبير من الأشخاص والسماح بالتفاعلات المباشرة فيما بينهم دون الاضطرار إلى الثقة بطرفٍ خارجي وإسناد الإدارة إليه.

وبالفعل تعتمد تطبيقات متنوعة على تكنولوجيا “بلوك تشين” منها Steem.io، وAkasha، وSynere. وهي شبكات اجتماعية مُوزعة تُشبه “فيسبوك”، لكن بدلًا من تولي مؤسسة مركزية إدارة الشبكة وتحديد المحتوى الذي يُعرض لكل شخص من خلال خوارزميات لا يُكشف عن طبيعة عملها للجمهور، كما هو الحال في “فيسبوك”، تُدار هذه المنصات بأسلوب غير مركزي، ويُنسق المستخدمون أنشطتهم فقط من خلال قواعد تُنفذها تعليمات برمجية في “بلوك تشين”.

ويتعين على المستخدمين دفع رسوم ضئيلة نظير إرسال الرسائل عبر الشبكة ويحصل عليها المسؤولون عن تشغيل الشبكة والمحافظة عليها، وفي الوقت نفسه يستعيد المساهمون هذه الرسوم وأكثر منها مقابل انتشار مشاركاتهم ونيلها إعجاب أقرانهم.

وكذلك يُشبه “أوبن بازار” OpenBazaar مواقع التجارة الإلكترونية مثل “أمازون” و”إي باي”، لكنه يعمل مستقلًا عن أي مُشغّل مركزي أو وسيط. ويسمح لجميع المستخدمين بتسجيل المنتجات التي تظهر لجميع أعضاء الشبكة، وبمجرد موافقة المشتري على السعر ينشأ حساب ضمان بعملة “بيتكوين” يُنقل إليه ثمن السلعة، وبعد وصولها إلى المشتري يُحول المبلغ إلى حساب البائع. ويتدخل طرف ثالث أو مُحكم، يجري اختياره عشوائيًا، فقط عند وقوع مشكلة بين الطرفين ليُقرر تحويل المبلغ إلى البائع أو إعادته إلى حساب المشتري.

وتعتمد على “بلوك تشين” أيضًا منصات غير مركزية لمشاركة السيارات، على غرار “أوبر”، منها “أركيد سيتي” ArcadeCity و”لازوز” Lazooz. ويُشير ذلك كله إلى دور “بلوك تشين” في تيسير نشأة أشكال جديدة من المؤسسات تتجنب الأصول المادية والمركزية، ولا تعتمد على مدير أو رئيس تنفيذي أو أي شكل للترتيب الإداري الهرمي، ويُديرها جماعيًا أطراف تتفاعل عبر “بلوك تشين”. ومن المهم عدم الخلط بينها والنموذج التقليدي لحشد المصادر الذي يُسهِم فيه مجموعة من الأشخاص في منصة دون الانتفاع من نجاحها.

وتستطيع تكنولوجيا “بلوك تشين” مساندة شكل أكثر تعاونية لنموذج حشد المصادر يَعتبر المستخدمون مساهمون وملاك أسهم في المنصات التي يُسهمون فيها. وبسبب غياب الوسيط المركزي سيُصبح من الممكن إعادة توزيع القيمة الناتجة عبر هذه المنصات بالتساوي. ويُقدم ذلك فرصةً مهمة للتحول إلى اقتصاد تشاركي أو تعاوني حقًا لا تتحكم فيه القلة، بل يُدار بواسطة الحشود المساهِمة ولصالحها. (اقرأ أيضًا: كيف ستُؤثر “بلوك تشين” على الحياة اليومية والاقتصاد؟)

وربما تكون هذه الوعود قديمة ترددت من قبل مع بداية الإنترنت الذي كان من المُفترض أن يُوفر مجالًا متساويًا للجميع، ويسمح للأفراد والشركات الصغيرة بمنافسة المؤسسات العملاقة. لكن بمضي الوقت عصفت رياح الواقع بوعود الأيام الأولى للإنترنت، وتشكلت شركات عملاقة تتحكم في العالم الرقمي.

واليوم تُقدم “بلوك تشين” فرصة جديدة لإحلال أنظمة تعاونية مكانة المؤسسات المعتمدة على الترتيب الهرمي. وقد يُغيّر هذا التحول طرق توزيع الثروة، ويسمح لأعدادٍ كبيرة من الأشخاص بالتعاون لتحقيق الصالح العام مع ضمان حصول كل شخص على التعويض المناسب في مقابل جهوده.

ومع ذلك، لا ينبغي الركون تمامًا إلى هذه التصورات. ومثلما تطور الإنترنت من بنية تحتية غير مركزية إلى نظام مركزي تُهيمن عليه شركات قليلة، هناك دائمًا خطر مُشابه بنشأة شركات كبيرة في فضاء “بلوك تشين”. ومن واجب المجتمعات، إذا كانت تُثمن قيمة الاقتصاد التشاركي الحقيقي ونيل الأفراد مكافآت عادلة نظير جهودهم، خوض تجربة تكنولوجيا “بلوك تشين” الناشئة واستكشاف ميزاتها وابتكار تطبيقات ناجحة يُديرها مجتمع المستخدمين تُقاوم تشكل مؤسسات عملاقة تُسيطر وحدها على “بلوك تشين”.

المصدر

الصورة