كيف سيُؤثر إنترنت الأشياء على السياسة؟

مما لا شك فيه أن لإنترنت الأشياء تأثيره على التصنيع والاقتصاد والخدمات الحكومية ووصولًا إلى السياسة وطرق اتخاذ القرار، لكن لم تتكشف بعد أبعاد التغيير المُرتقب. وتمزج التحليلات بين العلم والمخاوف والأمنيات، وبينما يتوقع البعض أن يقود إنترنت الأشياء إلى مجتمع تسوده المراقبة وانتهاك الخصوصية والأمن، يرى آخرون مجتمعًا ذكيًا يتمتع بمستويات أعلى من الكفاءة والإنتاجية.

وتُحاول الحكومات مواكبة التغييرات الحتمية من خلال تنظيم مسائل الخصوصية والأمن وتخزين البيانات والتشغيل البيني. وسيتوجب على الساسة تطبيق أساليب جديدة في صياغة السياسات وتنفيذها وتقييمها للتوصل إلى سبيلٍ وسط بين تصور مفرط في التشاؤم وآخر يبالغ في المثالية.

ويُتوقع وصول عدد الأجهزة المُتصلة بالإنترنت إلى 20.8 مليار جهاز بحلول عام 2020، ستُنتج قدرًا هائلًا من البيانات، ويُفترض أن يستفيد منها الساسة في اتخاذ القرارات. لكن الأمر لن يكون بهذه البساطة في ظل تعقيدات مثل دور الخوارزميات وآليات معالجة البيانات وملكيتها، والتحولات في أساليب الحكومات والمؤسسات المدنية.

ولا تتفق الهيئات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني ومراكز الأبحاث على سبيل لتنظيم ملكية بيانات إنترنت الأشياء. وربما تتحول البيانات والخوارزميات إلى سلع خاصة أو عامة وترتفع قيمتها الاقتصادية، الأمر الذي سيُؤثر بالضرورة على جمعها واستخدامها.

وربما ينتهي الأمر إلى تكرار لفجوات الثروة والتعليم وغياب المساواة في الوصول إلى البيانات، وتُحرَم فئات من الحصول عليها؛ إما لأسباب اقتصادية كارتفاع سعرها، أو سياسية مثل رغبة حكومة أو فصيل في إبعاد البيانات عن مجموعات بعينها.

ويقود ذلك للتساؤل عما إذا كان عجز البعض عن الوصول إلى البيانات نوعًا من التمييز، وما إذا كان إنترنت الأشياء سيُضيف إلى أشكال التمييز. وتتوقع شركة “جارتنر” للأبحاث نشأة سوق سوداء بقيمة خمسة مليارات دولار في عام 2020 لتداول بيانات مزيفة بهدف دعم أنشطة إجرامية أو حماية الخصوصية الشخصية.

وسيُغير التوافر الواسع للبيانات وتزايد أهمية الخوارزميات في اتخاذ القرار طبيعة المؤسسات المُؤثرة في اتخاذ القرارت السياسية سواءً على مستوى الحكومات المنتخبة أو الأحزاب أو الإعلام. ومثلًا ستتنامى أهمية دور الساسة كرواة للقصص بسبب حاجتهم إلى عرض البيانات بطرق مفهومة وجذابة.

وتتضمن التساؤلات حول طبيعة التغيير بحث إمكانية احتفاظ الأحزاب السياسية ببنيتها المعتادة، وطبيعة الحملات السياسية في عصر إنترنت الأشياء، وشكل العملية السياسية برمتها؛ نظرًا لأن البيانات التي تجمعها الأجهزة المستخدمة يوميًا مثل السيارات والأجهزة المنزلية والأجهزة القابلة للارتداء ستُساعد في تفسير الخيارات السياسية للأفراد.

كما سيكون على الأطراف الأخرى في العملية السياسية مثل مراكز الأبحاث وجماعات الضغط استخدام البيانات وشرحها، والاستعانة بالخوارزميات للتوصل إلى بدائل للقرارات الحكومية. ويُؤكد ذلك على الحاجة الماسة إلى مهارات جديدة في الحصول على البيانات وتحليلها في الوقت الحقيقي، وبالتالي ضرورة تطوير التعليم لتوفير الكفاءات البشرية المناسبة.

ويعِد الإنترنت الصناعي أو إنترنت الأشياء بدفع الاقتصاد نحو التركيز على المخرجات أو النتائج؛ فلن تقتصر القيمة على بيع السلع والخدمات، وإنما ستشمل أيضًا تقديم حلول تقود إلى نتائج يُمكن قياسها كميًا. وقد تتحول السياسات إلى سلع؛ فتشتري مدينة منصةً تُصمم وتُنفذ سياسات معينة لعلاج ازدحام المرور، أو تقتني استراتيجة شاملة تتضمن تطبيقات لمتابعة حالة المرضى عن بعد.

ويُثير هذا التصور القلق لاحتمال إفراط الساسة في الاعتماد على شركات خاصة لا تخضع لمساءلة الناخبين، وشراءهم خدمات لا يحيطون بجميع أبعادها. ومن بين الحلول المقترحة لمعالجة هذه المخاوف اعتماد نهج يُركز على النتائج، واهتمام الحكومات المنتخبة بتقرير الأهداف العامة، واختيارها شركات خاصة لإنجاز هذه الأهداف. وبذلك يتحول النقاش السياسي من مشكلات التنفيذ التقني إلى قضايا أوسع، وتحدد الأسس الديمقراطية قواعد استخدام الخوارزميات في إنجاز النتائج المنشودة.

وسيستمر دور وسائل الإعلام والمعلقين السياسيين، وستتحول مهتهم الأولى إلى إيصال الأفكار والمقترحات بطريقة مفهومة وإطلاع المواطنين على أسباب التطورات الجارية وعواقبها وتمكينهم من ممارسة الرقابة على مستقبل مجتمعهم.

ولن يؤثر إنترنت الأشياء وحده على العملية السياسية، وإنما يتبادلان التأثير من خلال إجراءات تشجيعية أو مقيدة تُقررها الحكومات. ومن المهم إطلاق نقاش واسع حول جميع المخاطر والفرص التي تنطوي عليها تكنولوجيا واسعة التأثير مثل إنترنت الأشياء، وما يتبعها من تغييرات جذرية محتملة في الحكم والديمقراطية لضمان تحول آمن ونافع.

المصدر

الصورة