كيف سيُؤثر إنترنت الأشياء على الوظائف في المستقبل؟

يُصاحب نشأة كل تكنولوجيا جديدة خوفٌ تقليدي من تأثيرها السلبي على فرص العمل، وقضائها على بعض الوظائف، وهو ما جرى مثلًا عند اختراع المحرك البخاري نهاية القرن الثامن عشر، ورأى البعض فيه نذيرًا بنهاية العمالة اليدوية وطرد آلاف العمال من وظائفهم، وما يتبع ذلك من تغيرات اجتماعية وثقافية واسعة.

لكن في الواقع أسهمت المحركات البخارية في نشأة وظائف جديدة تمامًا في قطاعات مثل السكك الحديدية والصناعات عالية الإنتاجية. وبينما قللت المحركات البخارية من الفرص المُتاحة أمام العمالة اليدوية، فإنها فتحت المجال أمام وظائف في تشغيل الآلات والصيانة والهندسة.

وبعد ما يقرب من مائتين وخمسين عامًا تستمر المخاوف ذاتها في عصر يُميزه تغيرٌ تكنولوجي سريعٌ ومُتلاحق من الهواتف الذكية وإنترنت الأشياء وتحليل البيانات إلى الروبوتات والذكاء الاصطناعي. وسيتكرر المسار ذاته في تأثير إنترنت الأشياء على فرص العمل، بحسب ما تناول زاك سوبالا في مقاله في موقع “تِك كرنش”.

ومنذ شهر سبتمبر/أيلول من العام الماضي تستعين شركة “أمازون” للتجارة الإلكترونية بثلاثين ألف روبوت من نوع “كيفا” Kiva في مستودعاتها بهدف تعزيز كفاءة العمل وتقليل الحاجة إلى العمالة المسؤولة عن الجمع والتعبئة. وفي الوقت نفسه، يتواصل ارتفاع الطلب على وظائف مطوري البرمجيات. وتتأكد صحة القول ذائع الشهرة للمستثمر ورائد الأعمال الأمريكي مارك أندرسون في عام 2011 حين قال: “البرمجيات تغزو العالم”.

وعلى مدار العقد المُقبل سيتكرر النقاش والمخاوف ذاتها حول تأثير إنترنت الأشياء الذي يُمكن تعريفه كتكنولوجيا تربط الأشياء والأغراض المختلفة بالإنترنت. وتستند الكثير من النماذج التجارية لإنترنت الأشياء في تحسين الكفاءة على التخلص من بعض العمالة.

وعلى سبيل المثال تربط بعض الشركات صناديق القمامة بالإنترنت وتتعرف على أوقات امتلاء الصناديق، الأمر الذي يُساعد في تنظيم أفضل لعمليات جمع القمامة ويعني أيضًا الحاجة إلى عددٍ أقل من عُمال جمع القمامة. وكذلك تُسهِم الطائرات من دون طيار في تقليل الوقت اللازم لإجراء مسح لقطعة أرض، ما ينتهي بتقليل أعداد موظفي مسح الأراضي. ويُمكن توقع التغيير ذاته في مُختلف الصناعات التي تتضمن إلكترونيات ومُعدات على مدار السنوات العشر التالية.

ولذلك يتردد السؤال الذي طُرح في نهاية القرن الثامن عشر وهو؛ هل ستقضي هذه التكنولوجيا الجديدة على الوظائف؟ ويبدو أن الجواب سيكون بالنفي هذه المرة أيضًا؛ إذ سينتج عن انتشار إنترنت الأشياء الحاجة إلى وظائف جديدة دون أن ينفي ذلك تسببه في إلغاء بعض الوظائف.

ومثلًا نشرت سلسلة متاجر التجزئة الأمريكية “تارجت” Target في الشهر الماضي إعلانًا عن حاجتها لمن يشغل وظيفة مهندس رئيسي لإنترنت الأشياء. وتتضمن مهام الموظف الجديد تطوير حلول مُبتكرة للمستهلكين تعتمد على إنترنت الأشياء، وشملت الشروط المطلوبة الخبرة بلغات البرمجة وكتابة التعليمات البرمجية والقدرة على اتباع أسلوب تكراري في العمل.

كما أورد دليل شركة “جانكو أسوشيتس” Janco Associates لاستشارات التكنولوجيا عن وظائف تكنولوجيا المعلومات في الشركات وظيفة مدير إنترنت الأشياء ضمن ثلاث مراكز وظيفية جديدة، ويُعنى بتنفيذ الأنظمة الفنية ودعمها وصيانتها ونقل البيانات واستعادتها من وحدات التحكم الميدانية.

ويُمكن إيجاز الأمر في أن إنترنت الأشياء سيُكرر ما فعلته مختلف التقنيات السابقة، وسيؤدي إلى استبدال الوظائف الأقل مهارة بأخرى تتطلب مهارات مُرتفعة. وفي نهاية المطاف سيقود إلى إحلال واسع النطاق للوظائف البسيطة التي تعتمد على تكرار المهام نفسها في مجالات مثل التصنيع والإدارة ومُراقبة الجودة والتخطيط، كما سيُسهِم إنترنت الأشياء في إنشاء مراكز وظيفية جديدة تُساعد المنظمات في نجاحها الخاص ونجاح الأعمال عمومًا.

وفي الواقع فإن الكثير من هذه الوظائف لا يزال جديدًا تمامًا حتى أن بعضها لا يحمل بعد أسماءً محددة، ومنها:

1. الرئيس التنفيذي لإنترنت الأشياء Chief IoT Officer -CIoTO

سيشهد العام الحالي ميلاد وظيفة الرئيس التنفيذي لإنترنت الأشياء، وتتوقع شركة “ماشينا ريسيرش” Machina Research لأبحاث إنترنت الأشياء أن تُوظف شركة واحدة على الأقل من قائمة “فورتشن 500” مديرًا مسؤولًا عن إنترنت الأشياء هذا العام. وتضم القائمة التي تُصدرها مجلة “فورتشن” أكبر خمسمائة شركة أمريكية من ناحية الإيرادات.

كما أظهرت دراسات أن أكثر من نصف الشركات في المملكة المتحدة تُخطط لتوظيف مدير مسؤول عن إنترنت الأشياء خلال الأشهر الاثنى عشر المُقبلة، وستستثمر في هذه الوظيفة ولاسيما في قطاعات التعليم وتجارة التجزئة والاتصالات. وذكرت 94% من الشركات المُستطلعة آرائها أنها تستثمر في مُبادرات لإنترنت الأشياء ترتبط بالبنية التحتية والأمن والأبحاث والتطوير والمهارات والعمالة.

وسيتولى الرئيس التنفيذي لإنترنت الأشياء توجيه قرارات التكنولوجيا التي ستقود بدورها اتجاه العمل. وسيضع استراتيجية للاستفادة من إنترنت الأشياء في الشركة، ويربط بين استخدام التكنولوجيا الجديدة وإنجاز نتائج واضحة في العمل. كما سيُشرف على تطوير مُنتجات إنترنت الأشياء وأيضًا على جمع البيانات من الأجهزة وتحليلها والتوصل إلى رؤى مُفيدة ثم اتخاذ القرار استنادًا على تلك البيانات.

ويُعد التواصل الفعّال ركنًا أساسيًا لشغل هذا المنصب، وينبغي أن يتميز الرئيس التنفيذي لإنترنت الأشياء بقدرته على التواصل مع غيره من المناصب التنفيذية العُليا من أجل شرح الميزانية التي تُخصصها الشركة لإنترنت الأشياء وتبريرها في وقتٍ قد تُواجه فيه معارضة ودعوات بالتأجيل والتخفيض، كما يتعين عليه التعاون الوثيق مع الرئيس التنفيذي للمعلومات والرئيس التنفيذي للتكنولوجيا وفرق العمل المعنية بالهندسة والتصنيع.

2. مصمم إنترنت الأشياء IoT Business Designer

تُوظف بعض الشركات متخصصين في التكنولوجيا من خبراء إنترنت الأشياء، وتُسند إليهم مهام البحث عن أجهزة الاستشعار والاتصالات رخيصة التكلفة، والتوصل لطرق توظيفها في العمل. لكن في الواقع ينبغي أن يقوم اعتماد المنظمة لتكنولوجيا بعينها على احتياجات العمل وليس العكس.

وبدلًا من توظيف أشخاص للإشراف على مشروعات، ستظهر وظيفة مصمم إنترنت الأشياء، وهو قائد فريق مُبدع يبحث عن أهداف الشركة التي يُمكن تحقيقها من خلال إنترنت الأشياء، ومن ثم يُؤلف الحل التقني اللازم لتنفيذها؛ إذ أن التكنولوجيا مهما بلغت من تقدم لا تعني شيئًا إذا لم تخدم الحاجة الفعلية للعمل.

ومن المهم أن يتسم مصمم إنترنت الأشياء بميزتين أساسيتين هما؛ امتلاك رؤية واضحة لوضع الشركة بعد عشرة أعوام ما يسمح له بتحديد مبادرات تُنجز الأهداف المرجوة ثم تنفيذها، وكذلك الفهم الجيد للتكنولوجيا دون الولع بها بحد ذاتها، الأمر الذي يعني استعانته بالتكنولوجيا فقط في حال تقديمها حلولًا لمشكلات حقيقية.

وسيضمن توظيف شخص ينطلق من رؤية واضحة لمشكلات العمل ثم يتوصل للحل المُلائم نجاح الشركة؛ إذ سيتطلب الأمر عددًا أقل من المحاولات لتطوير منتجات مُؤثرة. كما سيكون النجاح حليفًا للشركات التي تسعى لإنجاز النماذج التجارية المُناسبة وتُقدم أفضل تجارب الاستخدام من خلال التفكير الإبداعي في الشركة أو العمل.

3. Fuller Stack Developer

لا يُعد مصطلح Full Stack Developer جديدًا. ويُشير إلى المطورين القادرين على التعامل مع المراحل النهائية في العمليات Back End وكذلك التعليمات البرمجية لواجهات العرض Front End، أي من يُمكنهم استخدام قواعد البيانات ولغات برمجة مثل “بايثون” و”روبي” و”جافا” ونحو ذلك ولغات واجهات الاستخدام مثل “إتش تي إم إل” و”جافا سكريبت” و”سي إس إس”، وربما يكون من المُناسب ترجمتها كمُطور شامل.

لكن في مجال إنترنت الأشياء لن تكفي هذه المعارف المتنوعة؛ فعلى الرغم من أن منتجات إنترنت الأشياء تتضمن نفس الأنظمة النهائية والخاصة بواجهات الاستخدام في تطبيقات الويب والمحمول، إلا أنها تشمل أيضًا أجهزة غالبًا ما تكون مُخصصة لأغراض مُحددة. ويعني هذا أن “المطور الشامل” -إن صح التعبير- سيصير أكثر شمولًا، وسيحتاج إلى معرفة إضافية بالأنظمة المُدمجة مثل البرامج الثابتة، وكذلك بالهندسة الميكانيكية والهندسة الكهربائية.

وبينما قد يبدو العثور على الأشخاص المُلائمين لهذه الوظيفة أمرًا عسيرًا، إلا أنه يُوجد بالفعل الكثير من مهندسي البرمجيات الذين درسوا هندسة الحاسب والنظم المُدمجة، واتجهوا خلال السنوات العشر الأخيرة إلى العمل في تطوير الويب والمحمول بسبب توفيرها رواتب أفضل.

وأدرجت إعلانات حديثة في موقع “آي تي كارير فايندر” هندسة الأجهزة وتصميم واجهة المستخدم وتجربة المستخدم ضمن المهارات المرغوبة في مطوري إنترنت الأشياء. وبذلك سيُوفر إنترنت الأشياء الكثير من الفرص الجديدة ورواتب أكبر أمام المهندسين العارفين بعمل الأجهزة وتطوير الويب .

وعلى المدى القصير سيتجلى أكثر الخلاف بين التكنولوجيا وسوق العمل. وفي حين ستُنهي التطورات الحاصلة في التكنولوجيا أنواعًا محددة من الوظائف، فإنها تُنشئ على المدى الطويل وظائف جديدة. وفي هذا الوقت سيتكيف المجتمع مع هذه التغيرات عبر ابتكار وظائف مُختلفة تمامًا ومن خلال الاستفادة من القدرات البشرية الفريدة والإبداعية.

واختتم الكاتب مقاله بالقول أن إنترنت الأشياء لا يختلف عن غيره من التقنيات في تأثيره على سوق العمل، ويُشبه الثورات الصناعية والتكنولوجية السابقة، ولذلك فبدلًا من الخوف من تأثيره السلبي على الوظائف، ينبغي تقبل دوره في التخلص من المهام الرتيبة والعادية من العمل وتوفيره فرص جديدة لتطوير المهارات البشرية وتوسيعها.

مصدر الصورة