كيف سيُؤثر تطور التشغيل الآلي والروبوتات على وظائف الخدمات العامة؟

تترك تطورات التكنولوجيا آثارًا مُتشابهة تتكرر في ظروف وعصور مختلفة، ومنها تحول بعض المهن إلى جزءٍ من الماضي؛ بسبب تطور الآلات والبرمجيات ونشأة أدوار وظيفية جديدة، وربما تتجاوز حدة التغييرات التالية لتطور الروبوتات والتشغيل الآلي جميع ما سبقها.

وتقدم المدن الذكية تصورًا جذابًا لعملٍ سلس يشمل مختلف المرافق يُضاهي أحدث الهواتف الذكية، ويروج مناصروها لدور تطبيقات الهواتف الذكية وأجهزة الاستشعار التي تنتشر في كل مكان لمتابعة تلوث الهواء والمرور والجرائم، وتُستخدم أيضًا في مصابيح الإنارة وفي صناديق ذكية تتواصل مع شاحنات جمع النفايات لتتجه الشاحنات إلى الصناديق المُمتلئة فقط.

ومن السهل توقع أكثر الوظائف تضررًا، ومنها سائقي الحافلات، حتى وإن كان ذلك يبدو للوهلة الأولى مرتبطًا بالمستقبل البعيد والانتشار الواسع للسيارات ذاتية القيادة. وفي مطلع الشهر الحالي بدأت مدينة ليون الفرنسية اختبار حافلات صغيرة ذاتية القيادة.

صناديق ذكية للقمامة

طورت شركات صناديق ذكية للقمامة تعمل بالطاقة الشمسية وتُنبه شاحنات جمع القمامة عند امتلائها

وستُغير الحافلات ذاتية القيادة بعض التفاعلات التي طالما ميزت الحياة الحضرية. وتساءل عن ذلك ريك روبنسون، مدير البيانات الذكية والتكنولوحيا في شركة “امي” Amey للهندسة في المملكة المتحدة: “هل سيشعر المشاة وركاب الدراجات الذين يتقاسمون الطريق مع المركبات الآلية بدرجة أكبر أم أقل من الأمن إذا عجزوا عن النظر في أعين السائقين ومعرفة ما إذا كانوا على وشك السماح لهم بالعبور؟”. وأضاف روبنسون أن لهذه الأمور الأساسية تأثير هائل على حيوية البيئات الحضرية.

وكشفت “هيئة النقل في لندن” قبل عامين عن نيتها إضاقة 250 قطار للأنفاق دون سائق ابتداءً من عام 2022، وقالت أنها ستُوفر خدمة أسرع وأكثر انتظامًا. وحتى الآن، شهدت تجارب تشغيل قطارات خفيفة آلية بعض الإخفاقات في أنظمة الحاسب.

ويمتد توسع التشغيل الآلي إلى إصلاح المرافق. وتقود “جامعة ليدز” البريطانية مشروعًا لتطوير روبوتات لاكتشاف مشكلات البنية التحتية وعلاجها مُبكرًا. وشبِّه البروفيسور فيل بورنيل، الذي يقود فريق أبحاث الهندسة المدنية في الجامعة، دور هذه الروبوتات للمدن بوظيفة خلايا الدم البيضاء في الجسم بإصلاح الأضرار قبل تفاقهمها.

وأكد بورنيل على أن المشروع لا يهدف بأية حال إلى التخلص من عمال الإصلاح. وقال أن المدن بحاجة إلى تحرير موظفين من أداء مهام مملة إلى حدٍ كبير، وإفساح المجال أمامهم للتركيز على علاج المشكلات الحقيقية للبنية التحتية.

وفي حال استهدف التشغيل الآلي المهام الوظيفية الروتينية، فسيُؤثر مباشرةً على الإدراة الحكومية. وتتجه حكومات إلى استخدام أنظمة حاسب تُحاكي التفاعلات البشرية مع الجمهور. ومن شأن ذلك –نظريًا- استثمار وقت الموظفين على نحوٍ أفضل في إنجاز أعمال أكثر أهمية.

وقطع مجلس بلدة انفيلد الانجليزية خطوة أبعد من خلال التخطيط لتقديم “أميليا” Amelia عبر موقعه على الإنترنت خلال العام المُقبل، والبرنامج مساعد شخصي ذكي يستطيع تحليل اللغة الطبيعية وفهم سياق المحادثات وتوقع مشاعر المتعاملين.

وسيُستخدم “أميليا” في مساعدة السكان على تحديد ما يحتاجونه من معلومات واستكمال الاستمارات طيلة ساعات اليوم. وصُمم ليتصل بموظفين من البشر عند العجز عن الإجابة عن أي سؤال والتعلم من الموقف لمعالجة أسئلة مُشابهة مستقبلًا. وتُؤكد انفيلد على عدم نيتها الاستغناء عن موظفي مركز الاتصال.

وتُخطط حكومة سنغافورة بالتعاون مع شركة “مايكروسوفت” لإطلاق روبوتات دردشة ذكية لإجابة استفسارات مستخدمي المواقع الحكومية. ويرى روبنسون أن لبرامج المحادثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي دور في تقديم الخدمات العامة، لكنها تغفل قيمة العلاقة الشخصية المستندة على تجربة حياتية لا تتوافر في الإصدارات الحالية منها، كما لا يُتوقع بلوغ هذا التطور قبل عقود.

ولم تتكشف بعد طبيعة سوق العمل بعد انتشار الروبوتات، وخلصت دراسة سابقة إلى أن 47% من الوظائف في الولايات المتحدة الأمريكية عرضة لخطر التشغل الآلى خلال الأعوام العشرين المُقبلة. وتوصل تقرير من شركة “ديلويت” للاستشارات إلى أن 29% من الوظائف الإدارية والخدمات المساندة في لندن و72% من وظائف النقل والتخزين عرضة لخطر كبير من انتشار التشغيل الآلي.

وفي المُقابل، توقع تقرير من شركة “فورستر” للأبحاث إسناد 9.1 مليون وظيفة في الولايات المتحدة إلى آلات وبرمجيات بحلول 2025. ويميل روبنسون إلى تصديق تقديرات “فورستر”، ولفت إلى الاختلاف الكبير بين المهام والوظائف، واعتبر أن بعض التقارير عن مستقبل التوظيف تُفرط في التفاؤل بشأن النجاحات المُتوقعة للتكنولوجيا.

وإذا تمكنت شركات التكنولوجيا ومراكز الأبحاث من تطوير روبوتات وبرمجيات تتمتع بالذكاء الاصطناعي لمضاهاة العمل البشري، فستشمل خسارة الوظائف مختلف القطاعات وبمستوى غير مسبوق. لكن على المدى المتوسط ستظل الروبوتات بحاجة إلى مساعدة بشرية وسيحتفظ البشر بتفوقهم.

وتحتاج الإدارات الحكومية إلى تحديد المهارات اللازمة لتعاون مُثمر مع الآلات لتحسين الحياة الحضرية، ودون ذلك ربما ستُواجه أعداد أكبر من السكان خطر خسارة وظائفهم على غرار ما تبِع تطورات تكنولوجية سابقة.

المصدر والصور