كيف سيُغير الواقع الافتراضي التمثيل البصري للبيانات الضخمة؟

تتنوع تطبيقات تكنولوجيا الواقع الافتراضي Virtual Reality بين المجالات الطبية والعلمية والترفيهية والتعليم والصحافة وغيرها، وبالتأكيد سيتجاوز دورها ألعاب الفيديو والسينما، وستُؤثر على طريقة عرض البيانات عمومًا والبيانات الضخمة على وجه التحديد، بحسب ما تناول برنارد مار في مقاله في موقع “فوربس”.

وفي أغلب الأحيان يُشكل التصوير أو التمثيل البصري للبيانات Visualization الخطوة الأخيرة الحاسمة في مشروعات البيانات الضخمة، أي عمليات التحليل واسعة النطاق التي تهدف إلى استخلاص رؤى مُفيدة من قدرٍ ضخم من البيانات الرقمية التي نُنتجها ونُخزنها.

وبينما تكفي الرسوم البيانية الخطية والدائرية لتقديم أبرز الأرقام التي تحتل العناوين الرئيسية، تتطلب مشروعات البيانات الضخمة الحالية سُبلًا أكثر دقة وتفصيلًا لعرض القصة الكاملة، كما ينبغي أن تكون بسيطة وتُبين للمستخدم الصلات التي تربط بين نقاط البيانات التي قد يصل عددها إلى المليارات وربما ترد تباعًا في الوقت الحقيقي، كما هو الحال في المشروعات واسعة النطاق التي تستهدف كشف الاحتيال في قطاع الخدمات المالية.

وتُواجه العين البشرية قيودًا أصيلة تُحدد مقدار البيانات الذي يُمكنها استيعابه من شاشة الحاسب المُسطحة. ووفقًا لمايكل توماس، مهندس البرمجيات في شركة “ساس” SAS، يُمكن للبشر مُعالجة أقل من واحد كيلوبِت من المعلومات في كل ثانية عند قراءة نص على شاشة الحاسب. ولذلك ربما لا يُفيد كثيرًا نمو إمكانات المعالجة السحابية القادرة على طرح رؤى وخلاصات بسرعة تفوق أي وقت مضى إذا ما ظلت الصلة بين البشر والخوارزميات عاجزة عن مُواكبة هذه السرعة.

ويرى كثيرون أن بمقدور تكنولوجيا الواقع الافتراضي التدخل في هذه المرحلة؛ لتُسهِم في زيادة نطاق البيانات المُتاحة لأدمغة البشر من خلال انغماسهم في فضاءٍ رقمي يُتيح مجالًا للرؤية بزاوية 360 درجة ومُحاكاة الحركات بالأبعاد الثلاثية.

ومنذ فترة مثلت تكنولوجيا الواقع الافتراضي أداةً صناعية باهظة التكلفة. وقبل عدة سنوات تعاون مُهندسو شركة “جوديير” Goodyear لتصنيع إطارات السيارات مع رائد الواقع الافتراضي الدكتور روبرت مايلز في تطوير محاكاة كاملة لإطارات السباق استنادًا إلى مجموعة البيانات التاريخية للشركة. وسمحت المُحاكاة بعرض كل تغيير طفيف يطرأ على أداء الإطار فوريًا عبر الواقع الافتراضي.

واستهدفت المحاكاة التوصل إلى أسباب خسارة السيارات التي تستعمل إطارات “جوديير” في السباقات. وقدم التمثيل البصري الإجابات للشركة خلال خمس دقائق، ما يُعد مثالًا على زيادة نطاق البيانات الذي يُمكن للبشر استيعابه، وبالتالي تعزيز الفهم بمُعدل أسرع كثيرًا.

وفي الواقع ظلت الشاشات المُستخدمة لعرض البيانات واستيعابها بصريًا بحاجة إلى إصلاحٍ شامل على مدى فترة طويلة. وربما صارت بالفعل أصغر وأخف وزنًا كثيرًا مُقارنةً مع الشاشات التي كانت جزءًا من عمليات الحوسبة منذ خمسينيات القرن العشرين، لكنها ظلت تستخدم التكنولوجيا نفسها تقريبًا طيلة هذه الفترة. وبينما شهدت أدوات الإدخال، أي إمكانات المعالجة والتخزين، تطورات مُتكررة خلال عدة أجيال من هندسة الحوسبة، إلا أن الشاشة باستثناء زيادة وضوحها وألوانها لم تُصب القدر نفسه من التطور.

وفي الوقت الراهن يتغير كل هذا بفضل تطور أجهزة الواقع الافتراضي ميسورة التكلفة. وفي عام 2014 أتاحت “جوجل” تصميمات جهازها “كاردبورد في آر” Cardboard VR بشكل مفتوح المصدر ما يسمح بنشر التكنولوجيا على نطاقٍ واسع. وقبل شهر طرحت شركة “أوكولوس في آر” Oculus VR المملوكة لشركة “فيسبوك” جهازها للواقع الافتراضي في الأسواق.

وشجعت هذه الخطوات وغيرها تطوير منظومة متنامية من تطبيقات الواقع الافتراضي، ويُلائم بعضها بالفعل استكشاف البيانات والتجريب. وتُروج شركة “يونيتي ستوديوز” Unity Studios التي تُنتج محركات الأبعاد ثلاثية الأبعاد لاستخدام مُحللي البيانات التجارية لتقنيتها.

وعلى مدار سنوات تطلب إنشاء محاكاة رقمية لكل جزءٍ من العالم الحقيقي مثل النُظم البيئية وأنظمة الطقس والنماذج الفيزيائية الكثير من الوقت والجهد. وجميعها بيانات جاهزة للمعالجة الحسابية إلى جانب البيانات التجارية، ومن ثم تنتقل إلى المرحلة التالية بتقديمها إلى المستخدم في بيئة الواقع الافتراضي بما يقود إلى تفسيرات أسرع وأكثر دقة.

ومن بين المشروعات الجديرة بالذكر في مجال العلوم الاجتماعية مشاركة شركة “ماسترز أوف باي” Masters of Pie للتكنولوجيا في “منافسة الواقع الافتراضي للبيانات الضخمة” Big Data VR Challenge التي شارك في تنظيمها “صندوق ويلكم” الخيري لأبحاث الطب الحيوي.

وتعاونت الشركة مع باحثين في “دراسة أفون الطولية للآباء والأبناء” Avon Longitudinal Study of Parents and Children المعروفة أيضًا باسم “مشروع أطفال التسعينيات” وهي دراسة تُجريها “جامعة بريستول” البريطانية، وتشمل 14500 عائلة متطوعة عبر مراحل حياتهم المختلفة لبحث تأثير عوامل ومتغيرات متنوعة، وتجمع قدرًا غير مسبوق من التفاصيل سعيًا لمعالجة المشكلات الصحية في أجيال المستقبل. وفي ضوء ذلك يسهل تصور دور الواقع الافتراضي في إتاحة الكثير من طرق النظر المثيرة للاهتمام على مثل هذه البيانات القيمة.

ويتضح التناسب بين تقنيتيّ الواقع الافتراضي والبيانات الضخمة. وفضلًا عن دور الواقع الافتراضي في السماح بعرضٍ بصري أكثر تطورًا وتفصيلًا للبيانات، فإن انغماس المستخدم في التجربة سيكون نافعًا دون شك في ضمان وصول الرسائل الرئيسية إلى مقصدها.

كما تقترب تكنولوجيا الواقع المُعزز Augmented Reality التي تمزج صور الحياة الحقيقية مع محتوى مُتعدد الوسائط من الفيديو والصور والأصوات، من بلوغ مستوى عملي وقابل للاستخدام. وبالتالي تنتظر السنوات المُقبلة الكثير من التطورات المُثيرة للاهتمام.

مصدر الصورة