كيف صمم الموظفون استراتيجية “مكتبة نيويورك العامة” بشكل تشاركي؟

“مكتبة نيويورك العامة” هي واحدة من أكبر مكتبات العالم، ويزورها سنويًا 18 مليون شخص، وتقترب ميزانيتها من 300 مليون دولار، وتمتلك ما يزيد عن تسعين فرعًا في مدينة نيويورك الأمريكية، وتخدم جمهورًا متنوعًا من الأطفال إلى المهاجرين الجُدد والعلماء والروائيين المشهورين، بالإضافة إلى جمهور عالمي من الباحثين والسائحين.

وتُدرك إدارة المكتبة حاجتها الماسة إلى مُواكبة التغيرات الهائلة بفعل الابتكارات الرقمية وتحولات المجتمع. ويُمثل تطوير مؤسسة بهذا الحجم والمكانة التاريخية تحديًا كبيرًا؛ فتحتاج لتقديم خدمات مُخصصة تُلائم تنوع احتياجات روادها وتحتفظ في الوقت نفسه بمعايير مرتفعة ومتسقة.

وفي ربيع عام 2014 فكرت إدارة “مكتبة نيويورك العامة” في اتباع أسلوب مختلف لصياغة استراتيجية التطوير، وأتاحت لجميع موظفي المكتبة الذين يتجاوز عددهم 2500 شخص تصميم خطط التغيير وتنفيذها، باعتبار أن القادة لا يُمكنهم وضع استراتيجية التغيير من جانبٍ واحد، كما ستُثمر هذه المشاركة خطط عملية أقرب إلى الواقع ما يزيد احتمالات تنفيذها، فضلًا عن التزام الموظفين تجاه بعضهم البعض.

ولم تكن المشاركة من خلال حوارات تبدأ من القيادات إلى القاعدة أو العكس، بل لعب الموظفون دورًا قياديًا في تصميم الخطط والحلول وتجربتها والدفاع عنها، وأسهمت قيادة المكتبة في النقاشات بضمان صواب الاقتراحات من الناحية الاستراتيجية وتقديم الموارد والتوجيه.

وتستخدم الكثير من المؤسسات أسلوب “مجتمعات الابتكار” Innovation Communities لبناء نقاشات استراتيجية فعّالة، وتعمل مجموعات من الموظفين المتطوعين خارج نطاق واجباتهم الوظيفية المعتادة وعبر أقسام المؤسسة لابتكار الحلول والتواصل مع القيادات العليا.

ومثلًا استفادت سلسلة متاجر الإلكترونيات الأمريكية “بست باي” من هذا الأسلوب في زيادة حصتها من سوق الإلكترونيات الاستهلاكية للنساء بمقدار 4.4 مليار دولار خلال أقل من خمسة أعوام، واستعانت به مستشفى بوسطن للأطفال لتطوير خدمات الطب عن بُعد، وكذلك شركة “إيساي” اليابانية للأدوية لتحسين رعاية مرضى ألزهايمر.

فرق “مجتمعات الابتكار”

كونت “مكتبة نيويورك العامة” ثلاثة من مجتمعات الابتكار، تَركز عمل كل واحد منها على وظيفة أساسية للمكتبة وهي: تداول الكتب والمواد، واختيار الكتب والمقتنيات، والخدمات المرجعية.

وتألف كل مجتمع من ثلاثة دوائر مُتداخلة: أصغرها هي الفريق الأساسي وضم ما بين خمسة إلى سبعة موظفين من فروع الأحياء الثلاثة التي تخدمها المكتبة. وكان المُتوقع تخصيص يوم في الأسبوع على مدار ستة أشهر لتصميم نماذج عمل مبتكرة واختبارها.

وتألفت الدائرة الثانية من خمسين موظفًا لتجريب الحلول الجديدة. وأخيرًا كان جميع موظفي المكتبة ضمن الدائرة الثالثة، ودُعوا إلى المشاركة بأفكارهم ونقدهم وخبراتهم وتشجيعهم. وساعد الخبراء العاملون في المكتبة مجتمعات الابتكار على التعامل مع المهام غير المُعتادة لهم مثل جمع البيانات وتحليلها وإعداد العروض التقديمية والمسح البيئي.

مساحات مشتركة

تقاسمت مجتمعات الابتكار فضاءات افتراضية ومادية وزمنية لتشجيع تبادل الأفكار. وكانت المساحة الافتراضية شبكة إعلام اجتماعي استهدفت التغلب على طبيعة الترتيب الهرمي للمؤسسات، والسماح للموظفين من مختلف الأقسام بالتواصل مع بعضهم البعض ومع كبار المديرين وتجنب الآلية التقليدية للتعامل مع الإدارة المباشرة.

وتمثل الفضاء المادي في غرفة خُصصت للقاءات مجتمعات الابتكار في أحد فروع المكتبة، وفيها أعدت الفرق الثلاثة الخطط وتبادلت الأفكار. أما الفضاء الزمني فكان يوم الأربعاء من كل أسبوع وخُصص لاجتماع الفرق وخبراء البيانات.

مكتبة نيويورك العامة

أشركت “مكتبة نيويورك العامة” جميع موظفيها في صياغة خطط التطوير. الصورة لقاعة “روز” للقراءة في مبنى ستيفن. أ. شوارزمان الرئيسي

عمل “مجتمعات الابتكار”

طُلب من الفرق الأساسية في مجتمعات الابتكار الثلاثة تقديم اقتراحاتهم والإمكانات اللازمة لتجربتها إلى الإدارة العليا خلال شهر، ووصف الحلول وفوائدها للجماهير المستهدفة وخمس فرضيات يُمكن تجربتها خلال مدة المشروع المُحددة بستة أشهر، على أن تتوافق مع المبادئ المُوجهة لعمل المكتبة وهي تقديم خدمات متسقة ومريحة ومُلهِمة وتُمكّن جمهورها.

ومن البداية لم يغب عن إدارة “مكتبة نيويورك العامة” أن التوصل إلى كل هذا ودعمه بأدلة خلال شهر مهمة صعبة، لكنها رأت في الاقتراحات والعروض التقديمية فرصةً لمناقشة الفرضيات وحتى الطعن فيها وتأكيدًا على الترحيب بالنقاش المفتوح.

وفي خضم المناقشات اكتسبت استراتيجية المكتبة حيويةً كبيرة، ودفعت الحاجة إلى تطوير فرضيات قابلة للاختبار الموظفين إلى تعلم دعم الأفكار بالبيانات. وبالتعاون مع الإدارة والخبراء وبقية مجموعات الابتكار استقرت الفرق الأساسية على المقترحات وانتقلت إلى تصميم الحلول وتجريبها. وانخرط 10% من موظفي المكتبة بتقديم مساهماتهم.

نتائج التجربة وتأثيرها

توصل مجتمع الابتكار المعني بالتداول إلى بطء تعامل المكتبة مُقارنةً بغيرها من المكتبات الأمريكية مع المقتنيات التي تحتاج إلى نقلها إلى موقع آخر. وقدم توصيات من شأنها تخفيض وقت انتظار الكتب بنسبة 20% وإمداد الزوار بمعلومات أفضل عن ترتيبهم في الانتظار وتخفيف أعباء العمل عن الموظفين.

واكتشف الفريق المعني بمجموعات الكتب تفضيل الشباب استخدام الكتب والمواد الأخرى داخل المكتبة أكثر من استعارتها، وهو أمر لم يُراعيه نموذج عمل المكتبة من قبل. واقترح الفريق إتاحة عدد أكبر من المواد للإطلاع الداخلي، وملاءمة مجموعات الكتب للاحتياجات المحلية من خلال التفاعل مع المدارس المحلية والطلاب، ورأى أن ذلك يُناسب الاعتزاز المهني لأمناء المكتبات في الفروع بمنحهم قدرًا أكبر من الاستقلال في اختيار مجموعات الكتب.

وبالنسبة لفريق الخدمة المرجعية، فقد اكتشف ارتفاع معدلات التعامل مع الخدمة عبر الإنترنت مُقارنة بمسؤولي المكتبة في الفروع المحلية الذين يفتقرون في كثيرٍ من الأحيان إلى الوقت والمهارات اللازمة لتلبية احتاجات رواد المكتبة. وقدم الفريق توصيات منها تدريب الموظفين ولافتات تُشجع الزوار على استخدام الحواسيب ووصفات مرجعية بكتب ومصادر على الإنترنت.

وأثارت التجربة حماس الموظفين والمديرين على حدٍ سواء. وكما عبَّر أحد أعضاء الفرق الأساسية عن التجربة: “بدأنا العملية بمنظور الموظفين، وانتهينا بمنظور القيادة”. واستفاد الموظفون من فرص التفاعل مع زملاءهم في مختلف أفرع المكتبة وتعلم مهارات جديدة.

وعزز المشروع مشاعر الانتماء لدى الموظفين عِوضًا عن شعور كثيرين بالعزلة في الفروع المنفردة، وأطلق العنان لطاقاتهم، وأتاح لهم رؤيةً واضحة لنظام عمل المكتبة ككل، ويتجاوز هذا الارتباط حدود العمل إلى ارتباط عام بالمكتبة. وقال أحد المشاركين أن مجتمعات الابتكار غيّرت الكثير بالنسبة له، وتحول من البحث عن وظائف خارج “مكتبة نيويورك العامة” إلى التفكير في كيفية تطور مساره المهني داخلها.

وامتد تأثير مجتمعات الابتكار إلى القادة، وتحسَّن فهمهم لطريقة عمل المكتبة في الواقع، وتيقنوا من دور مشاركة الموظفين في التخطيط الاستراتيجي في تقليل الأعباء الإدارية، وأن إعطاء الموظفين الاستقلال والفرصة لإتقان تخصصاتهم يجعل منهم قادة لحل المشكلات.

لكن هذه الفوائد لا تعني سير المشروع بسلاسة تامة، ففي البداية كان الحماس كبيرًا لتعريف الموظفين بمفاهم ونماذج إدارية جديدة، ما مثل عبئًا عليهم دون ضرورة. كما لم تُحقق تجارب فريق الخدمات المرجعية النتيجة المرغوبة على الفور. ولم يُرحب الجميع في مختلف المستويات الإدارية بأسلوب النقاش المفتوح الذي كشف المشكلات علنًا. وتجاوز فريقان مدة المشروع المحددة ما وضع ثقلًا على كاهل الموظفين والفروع التي يعملون فيها.

وعلى الرغم من هذه الصعوبات، كان المشاركون في مجتمعات الابتكار على قدر التحدي وبذلوا الكثير من الجهد. وشكَّل الجانب الاجتماعي أحد أهم النتائج المفاجئة، وأسهم المشروع في تقوية الروابط الاجتماعية بين المشاركين، وهو ما لا يتحقق في الطرق التقليدية لوضع خطط التطوير. وستصير هذه الروابط جزءًا لا يتجزأ من جهود المكتبة المتواصلة لتحقيق توجهها الاستراتيجي، وستكون مسؤولية القادة الاستمرار في تعزيز البيئة الاجتماعية والمحادثات التي تُولد فيها الأفكار الاستراتيجية وتُرعى وتُنفذ.

المصدر

الصور: 1 2