كيف نجح مصرف أمريكي في تحسين أساليب الكتابة لدى موظفيه؟

عند التفكير في أمثلة للكتاب الجيدين، لا يتصدر موظفو المصارف والمراجعون القائمة، لكن نجح “بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا” في تحسين جودة تقاريره وتأثيرها جذريًا بفضل تدريب المدققين في مركز داخلي للكتابة يُحاكي ما يجري داخل الجامعات لمساعدة الطلاب والباحثين على تحسين أساليب الكتابة.

ويُعد “بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا” واحد من اثني عشر مصرفًا يُشكلون معًا “نظام الاحتياطي الفيدرالي” الأمريكي، ويتولى الإشراف على البنوك التجارية في منطقته، ما يعني أن فرق الإشراف والتنظيم والائتمان تكتب تقارير مُفصلة تتألف أحيانًا من أربعين صفحة، وتُحدد لمسؤولي البنوك ومجالس إدارتها ما يتعين عليهم تغييره للتوافق مع اللوائح الحكومية.

ويتمتع المدققون بخبرةٍ جيدة في لوائح البنوك وليس الكتابة، ويتداول المراجعون التقارير فيما بينهم عدة مرات على مدار أسابيع، وكل ذلك لا يُعزز الوضوح ولا يدعم قدرات المدققين على الكتابة الجيدة، ويضيع الهدف الرئيسي وهو توصيل النقاط المهمة إلى الجمهور المستهدف، وتكون النتيجة عجز مسؤولي البنوك عن فهم المشكلات التي يحتاجون لإصلاحها.

ولجأ “بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا” إلى توظيف جيسيكا ويبر لتحسين إمكانات الكتابة لدى المدققين، والتركيز على جعل الوثائق المكتوبة أكثر فعالية ووضوحًا وإيجازًا، وبالتالي يقل الوقت المُهدر في فهم التقارير المبهمة ويزيد الإنجاز. واختارت ويبر أسلوبًا شائعًا في الجامعات، وإن كان غريبًا على وسط الشركات والأعمال؛ وهو تأسيس مركز للكتابة.

وفي مراكز الكتابة في الجامعات يتعاون الطلاب مع معلمين لتحسين مقالاتهم وأسلوبهم في الكتابة، وعملت ويبر في السابق مديرة مساعدة لمركز الكتابة في “جامعة ساليسبري” أثناء دراستها للماجستير. وعادةً تسعى جلسات التدريب في مراكز الكتابة لتحقيق هدفين هما: تحسين كل وثيقة يتم تحريرها، وتدريب الكُتاب على أساليب أفضل وبذلك تتحسن قدرتهم على الكتابة بمضي الوقت.

مركز الكتابة في "جامعة كونيتيكت" الأمريكية

استعان “بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا” بمركز الكتابة لتحسين أساليب الكتابة لدى المدققين. في الصورة مركز الكتابة في “جامعة كونيتيكت” الأمريكية

وقررت ويبر تطبيق الأساليب نفسها في تدريب المدققين في “بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا”، وفي البداية واجه عملها شكوكًا باعتبارها شابة في الثالثة والعشرين من العمر تعمل داخل مؤسسة تقليدية، لكن ساعدها مساندة المديرين لأسلوبها غير المعتاد، واعتمدت على عدة مبادئ:

  1. المشاركة الطوعية في مركز الكتابة: وضمن ذلك ألا يعتبر أحد من المدققين مشاركته في مركز الكتابة نوعًا من العقاب أو محاولة من الإدارة لإصلاح أخطائه. كما مكّنت الكتاب من التحكم فيما يكتبونه وبذلك جنبت المشاركة من أي وصمة.
  2. تقديم التعليقات مباشرةً أو عبر الهاتف: اعتاد المدققون تلقي عشرات أو مئات التعليقات المُتضاربة من مديريهم وزملاءهم على مدار أسابيع، ويصعب التعامل مع هذا النوع من التصويبات، ولذلك قدمت ويبر تعليقاتها على مسودة واحدة في جلسة من نصف ساعة، وركزت على التدريب التحريري لحث المدققين على اعتماد أساليب أفضل في الكتابة.
  3. تجاوز التعليقات القنوات التقليدية للإدارة: باستثناء حالات نادرة لم يُقدم مركز الكتابة نتائج جلسات التدريب إلى المديرين، الأمر الذي منح الكُتاب مزيدًا من الانفتاح حيال المشكلات التي يُواجهونها.
  4. تشجيع تكرار المشاركة: عاد نحو 63% من المشاركين إلى جلسات التدريب مرة أخرى.
  5. قياس النتائج: سعيًا لتحديد جدوى مركز الكتابة قاست ويبر ومديرو “بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا” مستوى كتابة المدققين قبل حضورهم جلسات التدريب وبعدها. وقيّم عدد من المسؤولين البارزين عشرين وثيقة قبل بدء برنامج مركز الكتابة وعدد مُماثل بعد جلسات التدريب استنادًا لعوامل منها التنظيم والدعم والتحليل والوضوح وقواعد اللغة. كما حُذفت أية تفاصيل تدل على شخصية الكُتاب أو المصارف المعنية بالتقارير؛ من أجل تقليل احتمالات التحيز.

وأظهر تقييم الخبراء حدوث تحسن بنسبة 36% في الجودة العامة للكتابة، وبنسبة 65% في التنظيم، و48% في مستوى الوضوح، كما تحسنت قدرة المراجعين على التحليل بنسبة 38%، وزادت إجادتهم لقواعد اللغة بنسبة 20%.

وبفضل هذه النتائج إلى جانب الإقبال على تكرار التدريب ومعدلات رضا المدققين، اقتنع المديرون بجدوى مركز الكتابة. وتوسع ليضم مستشار ثان للكتابة، وقدم أكثر من أربعمائة استشارة. وتدرس ويبر سُبل نشر البرنامج في المصارف الأخرى التابعة لنظام الاحتياطي الفيدرالي. وتُقدم التجربة دروسًا للكثير من المؤسسات والشركات حول متطلبات الاستفادة من دور مركز الكتابة مثل:

  • الإيمان بأهمية تحسين الكتابة: يضر سوء مستوى الوثائق المكتوبة بالإنتاجية ويتسبب في إهدار الوقت، ولذلك قبل البدء بعلاج المشكلة يجب الاعتراف أولًا بوجودها.
  • تشابه مهام الكُتاب: من بين أسباب نجاح مركز الكتابة في “بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا” تشابه وظيفة المدققين، وهو ما يصدق أيضًا على الكتاب الفنيين والمحللين. وفي مثل هذه الظروف يصير من المُمكن تطوير معايير ومواد وأساليب للتدريب تُلائم الجميع ويسهل قياس النتائج.
  • تنظيم برنامج طوعي بتشجيع الإدارة: ترتفع فرص نجاح البرامج الطوعية أكثر من الإلزامية؛ إذ يُقبِل عليها المتحمسون كما يُشجعون غيرهم على الانضمام إذا لمسوا فائدتها. لكن ذلك كله يستلزم إيمان القيادة بقيمة البرنامج ومساندته.
  • التعليم من خلال تحرير الوثائق: يُفيد التدريب التحريري من خلال تعديل المسودات أكثر من التدريب النظري على أساليب الكتابة.
  • الالتزام بقياس النتائج: لا يكفي النجاح وحده، بل يلزم إثبات النجاح، وهو أمر أتاح لويبر إمكانية توسيع عمل مركز الكتابة.

المصدر

الصور: 1 2