كيف نضمن استفادة جميع السكان من المدن الذكية؟

يُنظَر لمشروعات المدن الذكية بوصفها وسيلة لتحسين مستوى الخدمات والاستدامة البيئية وقدرة المواطنين على المشاركة ومواجهة تحديات التوسع الحضري والزيادة الكبيرة في أعداد سكان المدن. وبالتأكيد ستُحدد قرارات اليوم والسنوات القليلة المُقبلة شكل الحياة في مدن المستقبل.

ويُفترض أن تقود هذه المشروعات باستثماراتها الضخمة التحول الاجتماعي، لكن أغلبها يُركز على تسخير التكنولوجيا أكثر من التكيف مع الاحتياجات الفعلية للمواطنين، ويُولي اهتمامًا أقل بالتغيرات الاجتماعية والسياسية والتنظيمية التي تضمن نفعها جميع السكان، وتقيها التحول إلى نماذج براقة للتكنولوجيا الفائقة لا تفشل فقط في بلوغ أهدافها، وإنما قد تُسهِم أيضًا في تعميق انعدام المساواة في المجتمعات.

وترتكز حجج المدافعين عن مشروعات المدن الذكية على تقديمها خدمات أفضل بتكلفة أقل وما في ذلك من فوائد للمؤسسات الحكومية والبيئة والسكان. ومثلًا أتاحت “هيئة النقل في لندن” خيار دفع تذاكر الحافلات وقطارات الأنفاق عبر تمرير الهواتف الذكية على جهاز قارئ عند بداية الرحلة ونهايتها لخصم المبلغ من حساب الراكب. واستفادت المدينة من خفض تكاليف نظام المدفوعات التقليدي وتجنب مشكلات إصدار بطاقات وتوزيعها، أما الركاب فحصلوا على خدمات التنقل براحة وسرعة أكبر وأسعار أفضل.

كما تعود مشروعات المدن الذكية بالنفع على البيئة مثل متابعة استهلاك الطاقة واكتشاف فرص التحسين مثل شبكة “مصفوفة الأشياء” في مدينة شيكاغو الأمريكية، وتتضمن تركيب أجهزة استشعار وكاميرات لقياس مستويات تلوث الهواء والضوضاء ودرجات الحرارة وحالة المرور.

لكن الاستفادة الحقيقية من المدن الذكية ستأتي من إسهامها في تحسين مختلف أوجه الحياة كالإسكان والمواصلات والتعليم والبيئة الطبيعية وسعادة السكان والعلاقات الاجتماعية.

وحتى الآن تجني المؤسسات الحكومية أغلب ثمار مشروعات المدن الذكية بافتراض أن تحسن كفاءة العمليات الداخلية سيصب لاحقًا في صالح المواطنين، وربما يُؤجَل الاهتمام بالتطورات التي تُفيد الجمهور مباشرةً. وأحيانًا ما يتخذ المسؤولون من دعمهم للمدن الذكية وسيلة للتباهي وإبراز رؤيتهم التقدمية، فضلًا عن تحقيق مشروعات المدن الذكية مكاسب للشركات والمستثمرين، ما قد يعني اهتمامًا أكبر بتحقيق الأرباح المالية أكثر من علاج التحديات الأصعب والأكثر إلحاحًا وتحقيق المساواة.

وفي واقع الأمر لا يضمن تنفيذ مبادرات المدن الذكية بقصد تحسين العمل الحكومي نفع المواطنين، بل قد يزيد المشكلات القائمة سوءًا؛ نظرًا لأن التخطيط لها يتضمن تحديد الفئات المستهدفة وبالتالي تُهمَل مجموعات أخرى بقصد أو بدون قصد. ويقود ذلك في كثيرٍ من الأحيان إلى استمرار التفاوت بين الأحياء السكنية في الخدمات سواءً التقليدية منها أو الذكية.

كما أن لافتة المدن الذكية لا تعني بالضرورة أن لها تأثيرات إيجابية دائمًا. ومثلًا في الهند تعهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي بتشييد مائة مدينة ذكية، ويُواجه هذا المشروع الضخم تحديات ناشئة وقديمة منها توثيق ملكية الأراضي والحاجة لسياسات جديدة والنزاعات مع فئات سكانية محرومة قد تنتقص المشروعات الجديدة من امتيازاتها المحدودة أصلًا. وهو ما يتكرر مع مبادرات أخرى يُصنفها البعض كدعاية سياسية جوفاء.

ومثلًا في كوريا الجنوبية نال مشروع مدينة سونجدو الذكية اهتمامًا واسعًا واستثمارات ضخمة، لكن بعد مضي عشرة أعوام يُوصف المشروع في أفضل الأحوال بأنه لا يزال في مرحلة التطوير، بينما يعتبره آخرون مثالًا على الإخفاق التام. ويُقدم تدهور تجربة سونجدو دروسًا مفيدة ومنها إخفاقها بسبب أسلوب التصميم كمدينة مثالية تعتمد على التكنولوجيا الفائقة دون تاريخ ودون سكان.

ومن أجل تجنب مصير مُشابه يحتاج المسؤولون والشركات والسكان على حدٍ سواء إلى المتابعة الدقيقة والناقدة لمبادرات المدن الذكية، والتأكد من تنفيذها بشفافية واستجابتها لاحتياجات فعلية في المجتمع. وترتبط كغيرها من مساعي التنمية الحضرية بالسياسات المحلية. ومن أجل أن تُسهِم حقًا في تحسين حياة جميع المواطنين تتطلب إخضاع المسؤولين للمحاسبة بشأن الخطط والتنفيذ.

المصدر

الصورة