كيف يضر نقص البيانات بقدرة دول أفريقيا على اتخاذ القرارات السياسية الصائبة؟

تلعب البيانات، ولاسيما إذا ما اتصفت بقدرٍ كبير من الدقة والموضوعية والشمول، دورًا أساسيًا في اتخاذ قرارات صائبة ابتداءً من الخيارات اليومية والحياتية للأفراد، ووصولًا إلى المشروعات التجارية وحتى الحكومات التي تتأكد حاجتها للبيانات لوضع خطط التنمية والتمويل وتقييم جدوى سياساتها في تحسين الأحوال الاجتماعية والاقتصادية لمواطنيها.

وفي هذا الشأن تُواجه الدول الأفريقية الكثير من التحديات بسبب ندرة البيانات الدقيقة والموثوقة، وعيوب أنظمة جمع البيانات وتحليلها وتأثرها بالميول السياسية وأولويات المانحين، الأمر الذي يعوق التقييم الفعّال للتدخلات والبرامج التنموية في مختلف بلدان القارة، كما يُصعِّب عملية اتخاذ القرارات المدفوعة بالبيانات، بحسب ما تناول مقال بعنوان “ضعف البيانات يُؤثر على قدرة أفريقيا على اتخاذ القرارات السياسية الصائبة”.

وفي الواقع تحتاج الدول للبيانات في مختلف المجالات؛ فتخفق في بناء المدارس اللازمة في غياب بيانات عن عدد الطلاب الذين سيلتحقون بها، ويلزمها بيانات عن الأرض الزراعية وإنتاج المحاصيل لتلافي خطر المجاعات. وفي القطاع الخاص تحتاج الشركات لمعرفة الموارد المُتوافرة في بلدٍ ما واحتياجاته وطبيعة السوق قبل الاستثمار فيه، كما لا تتحقق فائدة المساعدات الدولية دون حصول الجهات المانحة على بيانات دقيقة عن حالة السكان.

وبشكلٍ عام تنطوي برامج التنمية على نتائج ومُؤشرات يُمكن قياسها. وعلى الرغم من الأهمية البالغة للبيانات، إلا أن الأمر الأكثر أهمية يتمثل في تحويلها إلى معلومات يسهل فهمها وتُفيد المستخدمين النهائيين. ويبدو أن القول الشائع “البيانات تتحدث عن نفسها” ليس صحيحًا على الدوام.

وتُمثل البيانات الخطوة الأولى والحاسمة تليها التحليل الذكي والموضوعي لفهمها وصياغة القصة الكاملة. وبعدما يتوافر مستوى مقبول من البيانات يستخدمها صناع القرار على مختلف المستويات للتخطيط السياسي والمالي.

ولا تختلف الحكومات الأفريقية وشركاؤها في مجال التنمية عن غيرها في حاجتها إلى بيانات جيدة حول المؤشرات الأساسية للتنمية، ويعني ذلك حصولها في الوقت المُناسب على بيانات دقيقة ومُصنفة بحسب الموضوعات والأنواع وواسعة النطاق، وهو ما لا يتوافر للكثير من بلدان القارة.

ولا يصعب فهم أسباب نقص البيانات الجيدة بالنظر إلى الظروف السياسية والاقتصادية والتاريخية للدول الأفريقية. ويزداد الوضع سوءًا بسبب غياب ثقافة راسخة تُشجع على الاستفادة من البيانات. وبالتالي يَصعب التأكد من فعالية البرامج الحكومية والأهلية وضمان تخصيص الموارد لمُعالجة مشكلات التنمية الأكثر خطورة وإلحاحًا.

وتُقدم تجربة نيجيريا مثالًا على دور البيانات في التأثير على تقييم حالة الاقتصاد وبرامج التنمية. وفي عام 2014 أعُلنت نيجيريا الاقتصاد الأكبر في أفريقيا؛ بسبب تغيير طريقة احتساب الناتج المحلي الإجمالي، وهي عملية تُعرف باسم Rebasing Gross Domestic Product وتعني إعادة تحديد الطرق والبيانات الأساسية المُستخدمة لحساب الناتج المحلي الإجمالي في ضوء تطور الاقتصاد بدخول قطاعات ومنتجات وتقنيات جديدة وتغير الأذواق.

وبينما ينبغي إجراء هذه المراجعة كل فترة تتراوح من ثلاثة إلى خمسة أعوام تأخر إجراؤها في نيجيريا لعقود. ويعني ذلك ضمنًا أنه على مدار سنوات اعتمدت القرارات في واحدة من أكبر بلدان أفريقيا على بيانات تفتقر إلى الدقة والموثوقية والنطاق الزمني المُلائم.

ويتشابه الوضع في نيجيريا مع الكثير من دول القارة. وفي عام 2015 اعتمد تقييم 65% من مؤشرات الأهداف الإنمائية للألفية من الأمم المتحدة في بلدان وسط أفريقيا على تقديرات أو نتائج نماذج إحصائية أو قياسات سابقة تعود إلى عام 2010.

وغالبًا ماتكون التقديرات حول الحالة الصحية وغيرها من المُخَرجات الاجتماعية والاقتصادية غير مُؤكدة، ولا تُعَّد بطريقة مُنظمة، الأمر الذي يُصعَِب التأكد من كفاءة السياسات المُتبعة ويجعل مهمة اتخاذ قرارات بناءً على البيانات أكثر صعوبة.

ومع ذلك، تحققت مكاسب وإنجازات على صعيد تكرار التعداد السكاني والمسح الأسري خلال الأعوام الثلاثين الماضية، لكن اللبنات الأساسية لتوفير البيانات عن مختلف مُؤشرات الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية في القارة لا تزال ضعيفة وتتضمن بيانات عن: المواليد والوفيات، والنمو والفقر، والضرائب والتجارة، والأرض والبيئة، والأمراض والتعليم المدرسي وحالة الأمن.

وحتى عام 2013 لم تحضر أي دولة أفريقية في قائمة الدول الستين التي استكملت السجلات الحيوية حول المواليد وأسباب الوفاة والزواج والطلاق. ويرجع ذلك إلى ما يُمكن وصفه بتحديات الاقتصاد السياسي، وتشمل:

  • نقص التمويل المُستقل والمُستقر لأنظمة الإحصاءات الوطنية.
  • أخطاء في الحوافز تُسهِم في بيانات غير دقيقة.
  • سيطرة أولويات الجهات المانحة على الأولويات الوطنية.
  • قيود على الوصول للبيانات وسهولة استخدامها.

وينبغي على البلدان الأفريقية مُعالجة هذه المشكلات من أجل إحداث تحسين جذري وملموس في أنظمة البيانات ونوعيتها، وهي أمور ضرورية لتحقيق التنمية. ويتطلب ذلك التركيز على التحديات التي تُواجه أنظمة الإحصاء في كل دولة، وربما يُساعد في ذلك إجراءات منها:

  • زيادة التمويل واختلاف طرق إدارته، مثل زيادة التمويل المحلي وتخصيص الميزانيات المُتوقعة وتجربة أساليب جديدة مع المؤسسات المانحة مثل الحصول على التمويل نظير تحقيق الإنجازات.
  • تأسيس منظمات يُمكنها إنتاج بيانات دقيقة وغير مُتحيزة، ومن ذلك تطوير مكاتب الإحصاءات الوطنية وضمان استقلالها وبحث عقد شراكات بين القطاعين العام والخاص.
  • وضع العناصر الأساسية لإنتاج البيانات كأولويات ومنها الاهتمام بدقتها وتوقيتها وإتاحتها. ويتطلب ذلك وضع آليات لمراقبة الجودة ودعم البيانات المفتوحة والمساءلة من أجل تحسين نوعية البيانات.

ومن المُفترض أن تتولى الحكومات إطلاق هذه التغييرات وقيادتها، دون إغفال الدور الرئيسي لمؤسسات المانحة ومجموعات المجتمع المدني المحلية. وبمقدور هذه التغييرات صياغة علاقة جديدة بين المانحين والحكومات والمؤسسات المسؤولة عن إعداد الإحصاءات لينسجم عملهم مع الأولويات الوطنية. وبالفعل تتخذ عددٌ من مكاتب الإحصاءات المحلية في أفريقيا خطوات لتحسين آليات عملها وتجاوز الصعوبات، لكن الأمر بحاجة إلى مزيدٍ من العمل والاستثمارات وبمُعدل غير مسبوق.

مصدر الصورة