كيف يقرر رؤساء الولايات المتحدة سياسات العلوم؟

تمضي العلاقة بين العلوم والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، وربما غيرها، في اتجاهين؛ فمن ناحية تُقدم حقائق تُفيد الساسة في اتخاذ القرارات، ومن ناحيةٍ أخرى تُؤثر السياسات على تمويل الأبحاث العلمية ومسار التكنولوجيا والابتكار. وتتضمن مسؤوليات الرئيس تعزيز وضع العلوم والابتكار في الاقتصاد، ويبدأ ذلك بوضع أجندة تُعبر عن أولويات إدارته.

ومنذ الحرب العالمية الثانية وّظف الرؤساء الأمريكيون مستشارين للعلوم لتزويدهم بالمعلومات والرؤى اللازمة لقرارات السياسة الداخلية والخارجية، وإن اختلف الاهتمام بالاستشارات العلمية بين رئيس وآخر. وشغل المهندس فانيفار بوش منصب المستشار العلمي الأول خلال فترة الحرب وترأس “مكتب الولايات المتحدة للأبحاث العلمية والتطوير”.

وتمثلت مهمة المكتب في التنسيق بين العلماء في القطاعين المدني والعسكري لتطوير تكنولوجيا جديدة واستخدامها أثناء الحرب، وساعد في تأسيس “مشروع مانهاتن” لتطوير القنبلة النووية، والمجمع العسكري الصناعي أي التحالف غير الرسمي بين القوات المسلحة وشركات الصناعات الدفاعية. ودعم بوش إنشاء “المؤسسة الوطنية للعلوم”.

وفي عام 1976 أسس الكونجرس “مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا” ليُقدم للرئيس وآخرين الخبرة العلمية والتكنولوجية المتصلة بالشؤون المحلية والدولية، ويتعين نيل مدير المكتب ومساعديه موافقة مجلس الشيوخ. ويشغل المدير منصب المستشار العلمي للرئيس

ويُشكل “مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا” جزءًا من المكتب التنفيذي للرئيس، وتشمل مسؤولياته قيادة الجهود المشتركة للمؤسسات الحكومية لوضع السياسات والميزانيات ذات الصلة بالعلوم وتنفيذها. ويلعب دورًا مُؤثرًا في تحديد أولويات سياسة العلوم؛ نظرًا لاعتماد كل رئيس على فريقه الخاص.

ويتطلب تحويل أولويات العلوم والابتكار إلى أبحاث فعلية الحصول على الميزانية التي تتطلب موافقة الكونجرس. وقد يعتمد ترتيب الأولويات على تباين اهتمام الرؤساء بالقدرة التنافسية الأمريكية في قطاعات بعينها، أو رؤيتهم لفرص إسهام العلوم والابتكارات في المصلحة الوطنية.

وعادةً ما تتحمل الحكومة الأمريكية والجامعات أعباء الأبحاث العلمية الأساسية التي تسعى لتطوير النظريات العلمية وقد لا تُحقق فوائد تجارية مباشرة، بسبب تركيز الشركات على التقنيات المثبتة التي تقترب من مرحلة الطرح التجاري. وتُمثل الأبحاث الأساسية استثمارًا مهمًا للمستقبل على المدى الطويل وطالما نالت دعم الحزبين الرئيسين الجمهوري والديمقراطي.

وتُوجَّه ميزانية الأبحاث إلى المختبرات والجامعات والقطاع الخاص. ووفقًا لميزانية 2017 حصلت وزارة الدفاع على الحصة الأكبر من الميزانية الاتحادية بمبلغ 78 مليار دولار، في مُقابل 68 مليار دولار خُصصت لبقية المؤسسات تتقدمها “المعاهد الوطنية للصحة”.

وتُحقق بعض هذه الاستثمارات فوائد مباشرة للاقتصاد كمنتجات وخدمات، بينما يكون لبعضها نقع غير مباشر مثل دور تحسين تدريس العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والخبرة في تعزيز مهارات القوى العاملة الأمريكية، والخبرات المتراكمة لدى الباحثين الذي قد يُواصلون الابتكار في جامعات أو مؤسسات غير ربحية تهتم بمسائل يهملها القطاع الخاص كالحد من التلوث وعلاج أمراض غير شائعة أو يعملون لدى شركات تُضيف قيمة إلى الاقتصاد.

ويستفيد القطاع الخاص كثيرًا من البناء على نتائج أبحاث وابتكارات اعتمدت أصلًا على التمويل الحكومي مثل الإنترنت والطاقة والجينوم البشري. وحاليًا يرجع 85% من النمو الاقتصادي إلى الابتكار بما ينتج عنه من تخفيض لتكاليف المنتجات والخدمات ونمو في صناعات ووظائف جديدة وإبداعات تُحدث تأثيرًا جذريًا.

سياسات العلوم والتكنولوجيا في عهد أوباما

خلال ثمانية أعوام قدم جون هولدرن، المستشار العلمي لباراك أوباما ومدير “مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا”، المشورة للرئيس حول مسائل منها التصنيع المتقدم والأمن الوطني وتدريس العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وتغير المناخ وسياسات الطاقة والأمن الإلكتروني.

وتضمنت إنجازات المكتب إتاحة أكثر من 180 ألف قاعدة بيانات اتحادية للجمهور، ووضع أول استراتيجية أمريكية للابتكار، وإطلاق مبادرة الطب الدقيق لدعم العلاجات المخصصة بحسب كل مريض، ومبادرة لأبحاث السرطان، وأخرى في علم الأعصاب تُعرف باسم BRAIN أسهمت في مضاعفة تمويل أبحاث مرض ألزهايمر من 2012 إلى العام الحالي.

وعادةً تتضح نتائج الجهود المماثلة بعد سنوات. ومثلًا زادت برامج وزارة الطاقة الأمريكية لأبحاث الطاقة الشمسية والرياح إنتاج البلاد من طاقة الرياح ثلاثة أضعاف إنتاجها عام 2008، ورفعت إنتاجها من الطاقة الشمسية أربعة أضعاف مقارنةً مع العام ذاته.

وحسّنت الاستثمارات العلمية الحكومية غير الخاضعة لتقلبات السياسة فهم مشكلات رئيسية تتعلق بمصير الأرض مثل التغير المناخي العالمي؛ وبفضل دعم الأبحاث الجيوفيزيائية وملاحظة الأرض لدى العلماء معلومات دقيقة عن معدلات ارتفاع درجة حرارة الأرض، ومقدار تغير سقوط الأمطار ورطوبة التربة، ومعدل ذوبان الكتل الجليدية والمياه المتجمدة، والخطوات اللازمة لتفادي تغير كبير في المناخ العالمي.

سياسة العلوم فرصة أمام ترامب

لا يميل الرئيس المنتخب دونالد ترامب للتركيز على الحقائق وصحتها كما ظهر في تحليل لخطاباته أثناء الحملة الانتخابية ولم يُظهِر اهتمامًا كبيرًا بتفصيل رؤيته للعلوم والتكنولوجيا حتى الآن، وأكد مرارًا على سعيه لإنعاش الاقتصاد والتصنيع في البلاد. وفي الواقع لا يُمكنه بلوغ تلك الغاية دون توفير تعليم ذي جودة عالية للعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ودعم الاستثمارات الحكومية في التكنولوجيا والابتكار، وربما تمده الاستشارات في مجال العلوم بأفكار لإنعاش قطاع التصنيع. (اقرأ أيضًا: توصيات للإدارة الأمريكية المُقبلة حول سبل تشجيع الابتكار)

وبمقدور ترامب الاستفادة من العلوم والتكنولوجيا لإنجاز شعار حملته “باستعادة مجد أمريكا” من خلال إطلاق مبادرات طموحة على غرار برنامج الفضاء وتوفير وظائف في مجال التصنيع المتقدم. وتُبين التجارب التاريخية أهمية توظيف مستشار علمي مرموق لإدارة “مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا” كخطوة أساسية.

المصدر

الصورة