كيف يُؤثر إنترنت الأشياء على المهن والأعمال؟

تُبشر تكنولوجيا إنترنت الأشياء بمستقبل ليس ببعيد يتصل فيه كل شيء تقريبًا بالإنترنت، ويحمل وحدات معالجة وبرمجيات وأجهزة استشعار وتتدفق منه البيانات طيلة الوقت، ويشمل ذلك بالتأكيد محتويات المنازل من الأسرة إلى أدوات الطهي وأنظمة تكييف الهواء، وسيفتح ذلك مجالًا واسعًا للتحكم فيها والتعامل معها بسبلٍ مختلفة.

وإذا ما كان بمقدور هذه التكنولوجيا جعل الحياة في المنازل أكثر راحة، فبالتأكيد ستقود إلى تغييرات عميقة في الشركات والمجتمع عمومًا. وتسمح تقنيات إنترنت الأشياء بالجمع المُتواصل للبيانات ونقلها فوريًا. ومن الناحية الإيجابية يُمكن لهذا أن يُمهد السبيل أمام توفير خدمات أكثر كفاءة.

وعلى سبيل المثال في مدينة نيويورك الأمريكية تُخطر صناديق القمامة الوكالات المسؤولة عن جمع القمامة ووحدات إعادة التدوير عند امتلائها والحاجة إلى التفريغ. وصنعت الصناديق شركة “بيجبيلي” Bigbelly الأمريكية للتكنولوجيا وإدارة النفايات.

وفي الوقت الراهن تُولد مختلف الأشياء المُحيطة من أعمدة الإنارة إلى إشارات المرور والأقمار الاصطناعية المخصصة لحالة الطقس معلومات طيلة الوقت، وقد تستفيد المدن من تحليل هذا القدر الضخم من البيانات لتحسين حياة سكانها.

وقال المدير العام لإنترنت الأشياء والتعليم في شركة “آي بي إم”، هارييت جرين: “يسمح معرفة مصدر التلوث من خلال هذه النماذج التنبؤية للمسؤولين عن التخطيط في المدن باتخاذ قرارات هامة حول كيفية تحسين نوعية الهواء”.

وتُتيح مثل هذه التقنيات للشركات الفرصة لتخفيض نفقاتها، بحسب ما قال جيب باتستون، الرئيس التنفيذي لشركة “كونتكستير” Contextere الناشئة للبرمجيات، وتُطور الشركة خدمات للقوى العاملة في المجال الصناعي استنادًا على تكنولوجيا إنترنت الأشياء و”تعلم الآلة” إحدى تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأوضح باتستون أن تقديم أجهزة الاستشعار بيانات حول حالة المعدات يُغير عمليات الصيانة وتجنب الأعطال، الأمر الذي يُوفر للشركات مبالغ طائلة. وأضاف أن المعلومات تتوافر عن الجهاز الذي يُحدد عملية الصيانة اللازمة، وفي الوقت نفسه يصل الموظف لهذه المعلومات من خلال الحاسب الفائق الذي يحمله أي الهاتف المحمول. واعتبر باتستون أنه سيكون لذلك تأثير هائل على العمليات التجارية.

وفي قطاع المياه يُمكن لأجهزة الاستشعار تقديم بيانات مستمرة حول سلامة الأنابيب، الأمر الذي يُساعد في اكتشاف نقاط الضعف ومنع التسريبات. ويُمكن تطبيق الفكرة نفسها على الجسم البشري؛ فبمقدور الأجهزة القابلة للارتداء وأخرى تُزرع في الجسم متابعة قياسات مختلفة مثل مستوى السكر في الدم وضربات القلب، ما يسمح بالاكتشاف المُبكر للأعراض غير العادية أو التي تُهدد الحياة.

ويُفيد الاكتشاف المُبكر في دفع الأشخاص لاتخاذ خطوات وقائية ونافعة مثل تغيير أسلوب الحياة أو اتباع حمية غذائية أو برنامج لممارسة الرياضة، ما يساعدهم في التعامل بشكلٍ أفضل مع أمراض مثل السكري وفي تقليل احتمالات إصابتهم بالأمراض.

وتفتح هذه الإمكانات آفاقًا أوسع أمام تحويل نظام الرعاية الصحية من التركيز على معالجة الأمراض والإصابات إلى استهداف تجنب الأمراض والمحافظة على حالة صحية جيدة. وبطبيعة الحال تمتد آثار ذلك إلى توزيع الموارد البشرية؛ ففي حال صار من المُمكن إصلاح الأجهزة عن بُعد وبقاء المرضى في منازلهم، فربما يحتاج حينها المهندسون والعاملون في التمريض إلى الاضطلاع بأدوارٍ مختلفة، وبالنسبة لبعض الشركات سيعني الأمر استعانتها بمهارات جديدة.

ومثلًا أدى ظهور الأجهزة الذكية لضبط درجات الحرارة مثل “نست” Nest إلى حاجة شركات التدفئة والسباكة إلى مهارات تكنولوجيا المعلومات؛ فقد يرجع سبب أحد الأعطال إلى اتصالات النطاق العريض مثلما قد ينشأ عن مشكلة في الأنابيب.

وقال الخبير الرقمي في “مجموعة بي أيه للاستشارات” PA Consulting Group، تيم ديفاين، أن هذا التطور قد قلب تلك المجالات رأسًا على عقب. وأضاف أنه بالنسبة للمسؤول عن إدارة شركة لمعدات التدفئة تتمثل الأمور الرئيسية في الناحية الهندسية والأنابيب والغاز والقطع المعدنية الضخمة، لكنه يُدير الآن شركة لتكنولوجيا المعلومات.

وينشأ عن تكنولوجيا إنترنت الأشياء الحاجة إلى خدمات ونماذج أعمال جديدة. وقال ديفاين: “من الرائع أن أتلقى تحذيرًا على هاتفي الذكي يُخبرني بتجول شخص ما حول منزلي، لكنني أحتاج إلى إمكانية الاتصال بخدمة الأمن المحلية، ودون ذلك سأشعر بالقلق فقط”.

ونظرًا لاعتماد هذه النماذج الجديدة على نظام مُعقد من المؤسسات ومنها شركات البرمجيات وخدمات النطاق العريض والشركات المُصنعة للأجهزة، تتصاعد التساؤلات حول توزيع المسؤولية. وأشار ديفاين إلى مثال يتعلق بأنظمة التدفئة المنزلية، ففي حال شغل جهاز ضبط درجات الحرارة أو الترموستات شبكة التدفئة في المنزل آليًا مع وجود السكان خارجه، وانتهى الأمر بفاتورة تبلغ ألف دولار، فحينها كيف سيتم تحديد الجهة المسؤولة؟

وفي الوقت الذي ينتظر فيه هذا السؤال وأمثاله إجابات ويتطلب نقاشًا، يرى باتستون أن التكنولوجيا الاستهلاكية قد مهدت الطريق بالفعل أمام تبني مجموعة متنوعة من الشركات لتقنيات إنترنت الأشياء.

وقال باتستون: “في حياتنا الشخصية اعتدنا أن يُخبرنا تقويم المواعيد بالوقت الذي ينبغي لنا الخروج فيه للحاق بأحد الاجتماعات، ويُقدم لنا خريطة ويتحقق من حالة المرور”. وتابع: “إذن فما قام به المستهلكون بالفعل أتاح لنا تقبل فائدة الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة”.

المصدر

مصدر الصورة