كيف يُسهِم إنترنت الأشياء في تغيير الخدمات الحكومية؟

أدى التطور المتواصل في شبكات الاتصال وتقنيات المعالجات وأجهزة الاستشعار إلى توفير وحدات أصغر حجمًا وأرخص تكلفةً، ما أسهم في التحول من الحواسيب المكتبية إلى الهواتف المحمولة، ومنها إلى مفهوم جديد وواسع للحوسبة يشمل مختلف أنواع الأجهزة التي يُمكنها عمليًا الاتصال بالإنترنت، ونيل قدرات جديدة تتعلق بجمع البيانات وتحليلها، تُكسبها مجازًا صفة “الذكاء”.

وتتعدد الأمثلة على إنترنت الأشياء مثل السيارات التي يُمكنها الاتصال ببعضها البعض على الطرق لتجنب التصادم والحوادث، وأجهزة ضبط دراجات الحرارة “ثرموستات” التي يُمكن لمستخدميها التحكم فيها عبر الهواتف الذكية من مسافة مئات الكيلومترات، وآلات صناعية تُنبه المشغلين لحاجتها للصيانة، وماكينات صنع القهوة التي تتصل بالساعات وغيرها الكثير.

وفي الواقع تتجاوز قيمة تراكم هذه البيانات من أجهزة الاستشعار والآلات وغيرها من منتجات إنترنت الأشياء مجرد تحسين الأجهزة. ومع استفادة المزيد من الأنظمة المتطورة من قدرات الاتصال، من المهم بالنسبة للحكومات التفكير في كيفية الجمع بين هذه التقنيات لتوفير قيمة أكبر، بحسب ما تناول مقال كتبه فريق من شركة “ديلويت” للخدمات المهنية في موقع Governing حول دور إنترنت الأشياء في تغيير الخدمات العامة.

وأظهرت دراسة حديثة لشركة “ديلويت” فرصة الحكومات في تحسين عملها بواسطة تقنيات إنترنت الأشياء التي توفر ردودًأ فورية وآلية أفضل لاتخاذ القرارات. وفي الوقت الذي يُسارع فيه القطاع الخاص لاستثمار هذا الاتجاه، تتردد وكالات حكومية متساءلة عما إذا كان بمقدور إنترنت الأشياء مساعدتها في تحقيق غاياتها، وتطوير الخدمات الحكومية.

ولا يختلف كثيرون حول صعوبة إدراك الارتباط الفوري والمباشر بين الأجهزة المنزلية الذكية والمتصلة بالإنترنت والخدمات الحكومية، لكن تلعب الاستفادة من جمع المعلومات وتحليلها دورًا محوريًا في العديد من المساعي الحكومية.

وبمقدور إنترنت الأشياء الإسهام في ذلك بطريقتين أساسيتين؛ أولهما جمع معلومات أفضل حول كفاءة تعامل الخدمات العامة والموظفين والبرامج والسياسات مع التحديات الهامة، والثانية مساعدة الحكومة على تقديم خدماتها لتُناسب الظروف القائمة ومُعطيات الموقف في الوقت الحقيقي.

وحتى الآن ركزت الأنشطة الحكومية المُبكرة في “إنترنت الأشياء” على مجالات مثل المدن الذكية ومحاولة تحسين الخدمات المُقدمة للمواطنين، وتتضمن التجارب المحلية في المدن الأمريكية المرآيب الذكية لإيقاف السيارات التي تستعين بأجهزة الاستشعار لتحديد توافر مساحات خالية للسيارات، وتمد قائدي السيارات بهذه المعلومات عبر تطبيقات للهواتف الذكية، بالإضافة إلى الجمع الذكي للنفايات من خلال صناديق مزودة بألواح شمسية وأدوات استشعار تنقل عبر الإنترنت بيانات حول مدى امتلائها، الأمر الذي يُساعد في تحسين مسارات جمع القمامة.

وعلى المستوى الاتحادي في الولايات المتحدة، تهتم الوكالات الحكومية بزيادة قدرتها على القياس، ومثلًا تستعين “وزارة الدفاع” برقائق تحديد الهوية بموجات الراديو لمراقبة سلاسل التوريد بشكل أكثر دقة، وتستفيد “هيئة المسج الجيولوجي الأمريكية” من أدوات الاستشعار لمتابعة مستوى البكيتريا في البحيرات والأنهار، وتستخدم “إدارة الخدمات العامة” المستشعرات للتحقق من كفاءة استهلاك الطاقة داخل لمباني.

ويُشير ذلك إلى تركيز الكثير من التطبيقات الحكومية في إنترنت الأشياء على تحسين العمليات الحالية، وتتمثل المرحلة التالية في التعرف على الدور المُحتمل لتوفير معلومات أسرع وأكثر دقة في إتاحة إمكانات جديدة لتقديم الخدمات.

ومن أجل جني ثمار أكثر من إنترنت الأشياء، تحتاج الوكالات الحكومية إلى إعادة النظر في كيفية قيامها بالعمل، وتحديد نماذج جديدة للخدمة، وتقبل التكنولوجيا والبنى التنظيمية المرتبطة بها واللازمة لدعمها.

ويُمكن النظر إلى التأثير المُحتمل لإنترنت الأشياء على عمل الشرطة. وتُتيح أجهزة الاستشعار التعرف آليًا على مؤشرات حالات الطوارئ أو الجرائم، وتتوافر بالفعل أجهزة ترصد أصوات الطلقات النارية، وتُحدد موقعها ضمن مساحة قدرها عشرة أقدام، ومن خلال التنبيه الآلي لقوات الشرطة تعفي الضحايا من الإبلاغ عن الحوادث، كما قد تسلط الضوء على جرائم لا يجري اكتشافها أبدًا.

وتستكمل الأجهزة الإلكترونية القابلة للارتداء دور الكاميرات التي يرتديها ضباط الشرطة، وتُساعد في توفير صورة دقيقة عن سلوكهم، كما تُفيد في تقديم الدعم الفوري لهم، فضلًا عن دورها في التدريب والتطوير المهني على المدى الطويل. وتُتيح الأسلحة النارية المُتصلة بالإنترنت اكتشاف إخراج السلاح من الحافظة وإطلاق الطلقات النارية.

وعلاوةً على ذلك، يُمكن لمتابعة مستويات الشعور بالتوتر ومُعدل ضربات القلب والتنفس ودرجة الصوت لدى ضباط الشرطة أن يُنبه زملاءهم والمشرفين إلى مدى ما يتعرض له الضابط من ضغوط قد تعرض أمن الجمهور وسلامته الشخصية للخطر، الأمر الذي يُتيح التدخل الفوري والتعرف على السبيل الأمثل للتعامل مع المواقف المُشابهة في المستقبل. وتتأكد أهمية ذلك في ظل تزايد الاستعانة بالشرطة المحلية للتعامل مع الحشود والحوادث.

ويدفع ذلك للتساؤل عن الطريقة الأفضل لاستفادة القطاع العام من إمكانات إنترنت الأشياء. ويبدأ ذلك بتعيين مشكلات محددة ومهمة، ودراسة كيف يُمكن لتوفير معلومات أكثر أو أفضل وللتحليلات في الوقت الحقيقي والإجراءات الآلية المساعدة في علاجها. ومن خلال حل مشكلات ملموسة، ستتمكن الحكومات من التعرف على التغييرات الفنية والتنظيمية اللازمة لجني فوائد إنترنت الأشياء، وتطبيقها على نطاقٍ واسع.

واختتم المقال بالقول أن تنفيذ مثل هذه الأمور لن يكون بالأمر السهل، لكن اتباع الحكومات سياسات الانتظار والترقب تجاه إنترنت الأشياء لن يُوفر لها غالبًا الخبرة الضرورية لتوفير خدماتها بفاعلية وكفاءة في ظل الواقع الجديد.

مصدر الصورة