كيف يُسهِم إنترنت الأشياء في رصد تلوث الهواء؟

يتسبب تلوث الهواء في وفاة أكثر من 5.5 مليون شخص سنويًا بحسب “منظمة الصحة العالمية”، وتشهد المدن الكبيرة النصيب الأكبر من الوفيات بسبب عوادم السيارات والمصانع ومحطات توليد الطاقة. وفي مواجهة مخاطر تلوث الهواء تستعين الحكومات على المستويات الوطنية والمحلية بتقنيات إنترنت الأشياء وأجهزة الاستشعار لمتابعة جودة الهواء، واكتشاف ارتفاع مستويات التلوث وتغيرها بمضي الوقت ومسببات التلوث وتحديد الإجراءات اللازمة.

وتندرج مساعي متابعة نوعية الهواء ضمن ثلاث فئات رئيسية؛ دمج أجهزة الاستشعار في عناصر البنية التحتية القائمة، وأجهزة الاستشعار المتنقلة، وأخيرًا تحليل بيانات الهواتف المحمولة لفهم انتشار تلوث الهواء في المناطق المختلفة. ولكل أسلوب منها ميزات وعيوب ينبغي على الحكومات بحثها قبل إطلاق أية مبادرة لمراقبة جودة الهواء.

أولًا: إضافة أجهزة الاستشعار إلى البنية التحتية:

لجأت الكثير من المدن لهذا الأسلوب من أجل متابعة نوعية الهواء في المناطق الرئيسية. ومثلًا ثبتت مدينة شيكاغو الأمريكية أجهزة استشعار للهواء في أعمدة الإنارة في الشوارع ضمن شبكة “منظومة الأشياء”، ما أتاح لها رصد عدد من المُلوِثات منها أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد النيتروجين والأوزون والجسيمات، بالإضافة إلى خطط لرصد المركبات العضوية المتطايرة في المستقبل القريب. واستخدمت المدينة البيانات التي تجمعها أجهزة الاستشعار في التنبؤ بحوادث تلوث الهواء واتخاذ إجراءات وقائية، كما تنشر المعلومات للسكان من خلال بوابة البيانات المفتوحة على الإنترنت.

"منظومة الأشياء" في شيكاغو

تستخدم مدينة شيكاغو أجهزة استشعار ملحقة بأعمدة الإنارة لرصد تلوث الهواء ودرجات الحرارة والمرور ضمن شبكة “منظومة الأشياء” 

واتبعت مدينة برشلونة الأسبانية أسلوبًا مُشابها في متابعة نوعية الهواء ونشر البيانات للجمهور وإدارات المدينة. وتستخدم أكثر من 65 مدينة حول العالم مقاعد “صوفا” Soofa في الحدائق والأماكن العامة، وتُوفر المقاعد الكهرباء عن طريق الطاقة الشمسية لشحن الأجهزة الإلكترونية، كما تُسجل أجهزة الاستشعار المُدمجة جودة الهواء ودرجات الحرارة وحركة المرور ومستويات الإشعاع.

ومن بين مُميزات هذا الأسلوب إمكانية استخدام أجهزة الاستشعار لفترات طويلة في عناصر ثابتة في المشهد الحضري، ما يسمح للمدن بجمع البيانات ورصد التغيرات على امتداد فترات طويلة، ويُتيح لها بيانات فورية قد تستخدمها لتنبيه السكان عند ارتفاع مستويات التلوث.

وفي المُقابل يعيب أجهزة الاستشعار في هذا الأسلوب تكلفتها الباهظة التي قد تصل إلى نحو خمسة آلاف دولار لكلٍ منها، ويحول ارتفاع التكاليف دون نشرها على نطاقٍ واسع وتكوين خرائط مفصلة لجودة الهواء في مختلف المناطق. وتتوافر أجهزة استشعار لنوعية الهواء أقل تكلفة مثل “إيربيم” و”أكليما” يصل سعرها إلى نحو 250 دولار، وربما تُشجع المدن على توزيع أعداد أكبر منها للتوصل إلى بيانات دقيقة وآنية.

لكن هناك شكوك حيال جودة البيانات التي تجمعها أجهزة الاستشعار منخفضة التكلفة، وعجزها عن التقاط الجزيئات الدقيقة وتأثرها بالأحوال الجوية، واحتمالات أن يُؤثر تقليل السعر سلبًا على الدقة أو الحساسية أو كليهما معًا؛ إذ أنها على العكس من أجهزة الاستشعار الأغلى ثمنًا لا تخضع لتقييمات أكاديمية. وعلى الرغم من احتمال افتقارها إلى الدقة، إلا أن بياناتها تُسهِم في إثراء النقاشات حول تلوث الهواء ودعم الإجراءات الحكومية لمكافحته.

ومع ذلك، لا تُبرر المنافع البيئية وانخفاض السعر اعتماد هذا النوع من أجهزة الاستشعار؛ فلا تزال تكاليف التركيب والصيانة وتحليل البيانات الناتجة مرتفعة في بعض الحالات، كما يتخوف بعض الباحثين من أعباء النفايات الإلكترونية بعد انتهاء صلاحية أجهزة الاستشعار.

ثانيًا: أجهزة استشعار مُتنقلة:

اختارت بعض المدن أجهزة استشعار متنقلة تُصاحب أشياء متحركة تتصدرها السيارات؛ فمن الممكن أن تتنقل لتغطي مدنًا بأكملها. وتعاونت مؤسسة “صندوق الدفاع عن البيئة” غير الربحية  مع “جوجل” لتجهيز سيارات خدمة “ستريت فيو” بأجهزة استشعار تقيس مستويات الميثان.

واستخدمت “جوجل” أجهزة استشعار من “أكليما” في سيارات “ستريت فيو” لقياس الجسيمات ومستويات ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد النيتروجين والكربون الأسود وغيرها. وخلال الاختبار التجريبي في مدينة دنفر الأمريكية جمعت أكثر من 15 مليون نقطة بيانات على مدار 750 ساعة من القيادة وألفت خريطة شاملة حول جودة الهواء في المدينة.

ومن بين الحلول الأخرى توظيف برامج تقاسم الدراجات لنشر أجهزة الاستشعار. وقبل ثلاثة أعوام خاضت مدينة دبلن في أيرلندا تجربة قصيرة باستخدام ثلاثين دراجة مُزودة بأجهزة استشعار لنوعية الهواء. ويسمح استخدام برامج مشاركة الدراجات بجمع البيانات على نطاقٍ واسع بواسطة عدد أقل من الأجهزة وبالتالي تقليل التكاليف.

دوريات الحمام لقياس تلوث الهواء في لندن

استهدف مشروع “دورية الحمام الجوية” التوعية بأخطار تلوث الهواء في مدينة لندن وحملت كل حمامة جهاز استشعار يزن 25 جرامًا لقياس مستوى الأوزون وثاني أكسيد النيتروجين في الهواء

ونفذت العاصمة البريطانية لندن في العام الماضي تجربةً فريدة لقياس جودة الهواء، وألحقت أجهزة الاستشعار بسربٍ من الحمام. واختارت لويزفيل في الولايات المتحدة وضع أجهزة استشعار صغيرة في أجهزة الاستنشاق التي يستخدمها مرضى الربو؛ لمتابعة المناطق التي تشهد أعلى نسبة استخدام لأجهزة الاستنشاق وبالتالي تحديد البؤر المحتملة لتلوث الهواء.

وبعد انتهاء المرحلة الأولى من مبادرة “إير لويزفيل” في عام 2012 وسعت المدينة التجربة لتشمل ألفي شخص، ولا تهدف فقط لمساعدة مرضى الربو، وإنما تسعى أيضًا إلى توفير المعلومات اللازمة لتوجيه السياسات في المدينة، والحصول على صورة أكثر دقة حول جودة الهواء.

وبينما تعجز هذه المبادرات المُؤقتة عن تقديم متابعة مستمرة، إلا أن بمقدورها الإسهام في تكوين خرائط حديثة وأكثر اكتمالًا وبتكلفة ميسورة لجودة الهواء. وتستطيع المدن استخدامها خلال أيام قليلة لجمع صورة شاملة، كما لن تحتاج إلى الكثير من أجهزة الاستشعار؛ فمن الناحية النظرية يستطيع جهاز واحد تغطية مدينة بأكملها خلال أيام قليلة.

ثالثًا: الجمع بين أجهزة الاستشعار وبيانات الهواتف المحمولة:

تُساعد بيانات الهواتف المحمولة في دراسة الآثار المُباشرة للتلوث على سكان كل منطقة. ومن خلال تحليل بيانات الهواتف المحمولة، مع إخفاء هوية المستخدمين، تستطيع المدن رسم مسارات تنقل السكان وفهم مستوى تعرضهم للتلوث. ونفذ مختبر “سينسبل سيتي لاب” التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تجربة مُماثلة لقياس المواد المختلفة التي يتعرض لها سكان نيويورك.

وفي ظل تنوع الخيارات المُتاحة لمتابعة جودة الهواء، ينبغي على كل مدينة أو حكومة اختيار الأسلوب المُلائم لاحتياجاتها وإمكاناتها. ومثلًا قد تكون أجهزة الاستشعار المتنقلة في مبادرات قصيرة الأمد مناسبًا لمدينة لا تمتلك الكثير من الموارد وتخطو أولى خطواتها في مجال المدن الذكية، ويفيدها في التوعية بتلوث الهواء وتوفير الدعم اللازم للإصلاحات البيئية.

وبالنسبة للمدن ذات الميزانيات الأكبر أو الإمكانات التقنية الأكثر نضجًا أو تُخطط لتحديث بنيتها الأساسية، ربما يكون دمج أجهزة الاستشعار في بنية الشوارع الحل الأكثر مُلائمة. أما إذا اتبعت الحكومة أجندة واضحة للمدن الذكية وإمكانات جيدة في إدارة البيانات فربما لن تكتفي بمتابعة جودة الهواء، وستُضيف قياس الضوضاء وحالة المرور والطقس. وستُوفر أجهزة الاستشعار بفضل تطور التكنولوجيا قياسات أفضل للبيئة بتكلفةٍ أقل.

المصدر

الصور: 1 2 3