كيف يُمكن الاستفادة من إنترنت الأشياء في إدارة موارد المياه؟

تُعد مشكلات المياه حاضرًا أساسيًا في إدارة المدن، سواءً تعلق الأمر بشح المياه ومشكلات الجفاف كما هو الحال في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، أو بكيفية مواجهة الأمطار الغزيرة كما في مدينة هيوستن في ولاية تكساس الأمريكية. ودفع ذلك للاستعانة بتقنيات “إنترنت الشياء” وتوظيف أدوات جديدة لتعزيز كفاءة إدارة موارد المياه.

وتُساعد أجهزة الاستشعار وتحليلات البيانات المسؤولين والمواطنين والشركات على توقعات أكثر دقة لإنتاج المحاصيل الزراعية وسقوط الأمطار، ما يصب في الجهود الرامية لتحسين الكفاءة، والمحافظة على المياه، والحد من تلوث منظومة المياه. ويشمل توظيف “إنترنت الأشياء” مجالات ري الأراضي الزراعية وحدائق المدن، وتوفير المياه في المناطق السكنية.

1. الري الذكي لمواجهة الجفاف:

خلال العام الماضي بلغت خسائر ولاية كاليفورنيا بسبب الجفاف 2.2 مليار دولار، ومن ذلك 3% من عائدات الزراعة؛ نظرًا لنقص المياه. ومنذ ذلك الحين تتفاقم مشكلة الجفاف أكثر وأكثر. وتستهلك الزراعة ما يقرب من 80% من مياه الولاية. وفي ظل توقعات تواصل الجفاف وشح المياه، تتزايد مخاوف المزارعين بشأن مستقبل أعمالهم، ومعها خوف أكبر وأوسع نطاقًا حيال القدرة على توفير الطعام للعدد المتزايد من السكان مع تناقص الموارد.

ولجأ قطاع الزراعة إلى اعتماد حلول تقنية تُساعده في تحويل قدر أقل من المياه إلى إنتاج أوفر من الغذاء. وتعمل لهذه الغاية شركات منها “هورتاو” Hortau و”كروب إكس” CropX ومؤسسات غير هادفة للربح مثل “كومينتي ووتر ديالوج” Community Water Dialogue في مدينة سانتا كروز في كاليفورنيا.

وتُوفر هذه الجهات نظم استشعار تُتابع عدة مُتغيرات منها سقوط الأمطار ومستوى الرطوبة وتكوين التربة والتضاريس ودرجات الحرارة وضوء الشمس، وتُضيف هذه البيانات إلى تحليلات وتوقعات لحالة الطقس. وتُتيح هذه المعلومات للمزارعين اتخاذ قرارات أكثر ذكاءً بشأن ري المزروعات.

وبدأ تطبيق المباديء الأساسية للزراعة المعُتمدة على البيانات والقياس أو ما يُعرف باسم “الزراعة الدقيقة” قبل عدة سنوات، لكن الأجهزة المزودة بأدوات استشعار أتاحت للمزارعين تكوين صورة مُفصلة حول الظروف الواقعية، وهو ما ساعد في توفير المياه المستخدمة بسنبة تتراوح بين 20 إلى 30%. وفضلًا عن توفير المياه، تُقلل هذه النظم من الحاجة إلى الأسمدة والمخصبات وتُسهِم في تحسين نوعية التربة من خلال منع تدفق مياه الأمطار، والإفراط في الري.

وإلى جانب المزارع، تتبنى المدن حلول الري المعتمد على دراسة البيانات وتحليلها. وحسنت مدينة سانتا كلاريتا في ولاية كاليفورنيا نظامها للري المحلي عبر الاستعانة بأجهزة استشعار بهدف إدارة تتمتع بقدرٍ أكبر من الكفاءة لموارد المياه المحدودة، والمحافظة على سبعمائة فدان من الحدائق وغيرها من المسطحات المزروعة.

ويُتوقع أن يُوفر النظام الذي صممته شركة HydroPoint Data Systems “هيدروبوينت داتا سيستمز” 180 مليون جالون من المياه، أي ما يُعادل نحو 681.4 مليون لتر. ويستخدم أدوات استشعار في التربة لقياس البخر أي استهلاك النباتات من المياه وتبخرها من التربة. وتُضاف هذه المعلومات إلى أخرى تتعلق بالأرض للتنبؤ باحتياجات المياه والتخطيط للري. ويُسهِم ذلك في الحد من التلوث من خلال تقليل تدفق المياه الملوثة بالأسمدة.

2. الحد من إهدار المياه بسبب التسرب:

في حين تهتم المدن وشركات ناشئة بمعالجة مشكلات الري، تُركز ابتكارات أخرى على التوصل إلى طرق لتقليل الإهدار في نظم نقل المياه في المناطق الحضرية. وتُقدر المياه النظيفة والمُعَالجة التي تُهدر سنويًا في الولايات المتحدة بسبب التسرب في البنية التحتية بمقدار 1.2 تريليون جالون (يُساوي الجالون 3.7 لتر تقريبًا).

وفي عام 2013 خسرت مدينة هيوستن وحدها 15% من مياهها أي ما يُعادل 15 مليار جالون بسبب تسريب أنابيب المياه. ويُشير ذلك إلى الحاجة الماسة لتجديد البنية التحتية القديمة المسؤولة عن التسريبات البطيئة والكسور المفاجئة في الأنابيب الرئيسية للمياه.

لكن وحتى الجهود الدؤوبة لن تُفلح وحدها في مواكبة وتيرة تكون التسريبات الجديدة، وربما يكون الحل الأكثر فاعلية لمواجهة المشكلة هو أرخص الحلول تكلفةً، ويكمن في بتقليل ضغط المياه في الأنابيب. وتسعى شركات منها “أكواماتيكس” AquamatiX و”آي 2 أو” i2O لمساعدة المدن على التحكم على نحوٍ أفضل في تدفق المياه من خلال إضافة أدوات استشعار إلى أنابيب المياه عبر شبكة التوزيع، وربطها بأنظمة التحكم في ضخ المياه.

وتتولى أدوات الاستشعار متابعة تدفق المياه وجمع البيانات، الأمر الذي يُسهل تحسين ضخ المياه. ومن خلال تقليل كمية المياه المُتدفقة في الأنابيب تتمكن المدن من تخفيض حجم المياه المهدرة بسبب التسرب، وكذلك منع تكون تسريبات جديدة.

ويُسهِم هذا الحل أيضًا في تقليل مقدار الطاقة اللازمة لضخ المياه، كما يُمكن لهذه التقنيات من خلال مراقبة توزيع المياه عبر الشبكات توقع المشكلات الطارئة مثل انفجار الأنابيب، ما يُساعد على سرعة استجابة الهيئات المعنية، ويُقلل من فقدان المياه.

3. تعظيم الاستفادة من مياه الأمطار:

وعلاوةً على المحافظة على الموارد المحدودة من المياه العذبة، تُساعد تقنيات “إنترنت الأشياء” في الحد من تلوث المجاري المائية، وذلك من خلال توقع هطول الأمطار الغزيرة والتخطيط للتعامل معها. وتحاول المدن في مختلف أرجاء الولايات المتحدة، عبر إدارتها للبنية التحتية المُعقدة للمياه، التخلص من الملوثات قبل توجيه المياه مجددًا إلى المحيطات والأنهار، لكن كثيرًا ما تتخطى العواصف القوية والأمطار الغزيرة إمكانات هذه النظم، وينتهي الأمر بوصول مياه الصرف الصحي في حالتها الأولى إلى المجاري المائية.

ومن المُمكن منع التلوث الشديد حال أحسنت المدن استعدادها لسقوط الأمطار. وتتخصص شركات مثل “أوبتي” Opti في مساعدة المدن على جمع البيانات من مرافق تخزين المياه إلى جانب توقعات حالة الطقس، لتضمن توافر مساحة كافية لجمع مياه الأمطار المتدفقة ومعالجتها.

ومن خلال التحليلات والإدارة الذكية لمرافق البنية التحتية، يصير بمقدور المدن التخطيط الجيد لتوفير السعة القصوى لجمع مياه الأمطار ومعالجتها، ما يُوفر فائدة مزدوجة بزيادة كمية المياه والحد من التلوث في آنٍ واحد.

ومن أجل تحقيق أقصى استفادة من ظروف الطقس والأمطار، يُمكن الاستعانة بتقنيات مُماثلة كما تفعل شركة “أكواماتيكس”. وعلى سبيل المثال، تعاونت الشركة مع “سلطة قناة باسينجستوك” في مقاطعتيّ هامبشاير وسري في المملكة المتحدة، وتشهد المنطقة أمطارًا شحيحة ومهمة في الوقت نفسه للحياة البرية والنشاط البشري. وبفضل تقنيات “إنترنت الأشياء” ومتابعة توقعات حالة الطقس ومستويات المياه في القناة والتحكم في مواضع الصمامات، تمكنت إدارة القناة من جمع مياه الأمطار والمحافظة عليها قدر الإمكان.

4. المحافظة على المياه في المنازل:

على الرغم من أن استخدام المياه في المساكن يُمثل جزءًا صغيرًا من استهلاك المياه، إلا أن ذلك لم يحل دون ظهور أدوات جديدة ترمي إلى مساعدة الأفراد في الحفاظ على المياه وتوفيرها في المنازل. ومثلًا تُساعد شركات منها “ووتر سمارت” WaterSmart السكان على فهم طبيعة استهلاكهم على نحوٍ أفضل، وتحديد مواضع التسريب، وجمع مليارات من نقاط البيانات، ما يسمح بتتبع الاستهلاك في الوقت الحقيقي وعلى المدى الطويل.

ويتزايد انتشار العدادات الذكية للمياه في أمريكا الشمالية، وشكلت في عام 2013 نسبة 18% من إجمالي عدادات المياه. وفي ظل تزايد انتشارها، يُمكن لبرامج مثل “ووتر سمارت” أن تُساعد السكان على متابعة استهلاكهم اليومي، والتوصل إلى فرص مناسبة للتوفير.

وعمومًا تُتيح تقنيات “إنترنت الأشياء” استخدام أكثر ذكاءً للمياه سواءً في المنازل أو الحقول أو المدن، وتهتم باستخدام أساليب مبتكرة لحل مشكلات قديمة، والاستعانة بتقنيات بسيطة ومُنخفضة التكلفة، ما يسمح للشركات وشركائها من الحكومات بتقليل هدر المياه والمحافظة على نظافة المجاري المائية. وبطبيعة الحال، لا تسلم الاستعانة بتقنيات “إنترنت الأشياء” من تحديات منها فتح المجال أمام ثغرات أمنية قد تُهدد نظم البنية التحتية في المدن.

ويبقى المجال مُتاحًا لرفع كفاءة أجهزة الاتصالات ذات الاستهلاك المنخفض من الطاقة والنطاق الواسع والضرورية لعمل تقنيات “إنترنت الأشياء”. وفي ظل استمرار التحول إلى حياة المدن والإقبال على العيش في المناطق الحضرية، تتزايد الحاجة لتلبية احتياجات الأعداد المتنامية من السكان من موارد المياه، ما يجعل الاستفادة الذكية من “إنترنت الأشياء” أمرًا أساسيًا للحفاظ على الموارد الثمينة لأجيال المستقبل.

المصدر

مصدر الصورة